بسم الله الرحمن الرحيم

 

أصحاب السعادة ،

الحضـــور الكـــرام،


      أرحب بكم في الدوحة في مستهل أعمال المؤتمر الثالث للحوار بين الأديان بمشاركة ممثلين عن كافة الديانات السماوية الثلاث ، مما يرسخ مبدأ الحوار ويعلي من قيمته ويؤكد أن أمامنا فرصة لإيجاد أرضية صلبة علينا أن لا نضيعها لبناء عالم يسوده الوئام والتفاهم .

      إن مواصلة الحوار من شأنه أن يكسب أنصاراً جدداً يؤمنون بأن التحاور أجدى من التخاصم وأن التواصل أنفع من التباعد . فالحوار أضحى ضرورة ملحة للتخلص من عقد الماضي والاعتراف بأخطاء اليوم..

      وإذا كان هناك من لا يزال يشكك في جدوى هذا الحوار أو الانضمام إليه ، فإن قدرتكم على إنجاحه قد تشجع هؤلاء على مراجعة مواقفهم ، ومن ثم فتح الآفاق للمشاركة في بناء واقع جديد يحل فيه الانفراج محل الاحتقان والأمل محل اليأس .

الحضـور الكـرام ،

      لقد شهدت العلاقة بين أتباع الديانات الثلاث مداً وجزراً ، ومع هذا فإن الحوار استمر دائماً مناصاً لابد منه . وقد شكلت دعوة الفاتيكان للحوار بين أتباع مختلف الديانات منذ سبعينيات القرن الماضي ، على سبيل المثال، تأكيداً على أهمية التواصل القائم على وحدة الإيمان بالله .

      وهو تراث علينا أن نحييه ونجدده كي نتجاوز ما يعترض سبيلنا من عقبات سبق وأن أشرت أمام المؤتمر الأول من هذا الحوار إلى أن من أبرزها الانحراف بالأديان السماوية عن جوهرها بسبب أغراض سياسية ، والحكم على اتباع ديانة بأكملها من خلال سلوكيات قلة من المتطرفين أو الجهلة. وتلك معوقات لا زلت أرى أنه من الممكن بل ومن الضروري تجاوزها .

      وحتى يحقق حواركم هذا أهدافه المنشودة ، فقد بات من الضروري أن لا يظل محصوراً في حلقات فكرية ضيقة، وإن كانت هامة ، بل عليه أن يمتد إلى أوسع قاعدة من أتباع الديانات السماوية الذين بهم يتحقق التفاهم والتسامح . فالحضارة الإنسانية ما قبل عصر النهضة استندت إلى حوار واسع بين مراكز حضارية عديدة كالقيروان وبغداد وفاس وقرطبة شارك فيها علماء ومفكرون وكذلك طلاب وحرفيون وتجار انتموا إلى الديانات السماوية الثلاث بما أعطى الحوار بعداً عملياً تجاوز النواحي النظرية مجسداً اهتمام قاعدة عريضة من البشر بقيمته ، مما يؤكد أن الدين يمكن أن يوظف توظيفاً قويماً انطلاقاً من التعاليم السماوية السمحاء .

الحضـور الكـرام ،

      إن الحوار بين الأديان لا يجب أن يكون مدعاة للتوجس والريبة وإنما أساساً للثقة والتعاون . ولكي يكون هذا الحوار مثمراً وبناءً يجب أن يكون وثيق الصلة بالقضايا التي تؤرق أتباع دياناتنا السماوية . ولعل في مقدمتها ذلك المأزق الذي لا تزال تعيشه القضية الفلسطينية ، وخاصة مسألة القدس التي تحظى بأهمية لدينا جميعاً . فحوار الديانات الذي يستند إلى أسس مشتركة يوفر الفرصة لتقديم أفكار تعزز الحلول السياسية لتلك المسألة .

      إن بيننا قواسم إيمانية عديدة لعل القدس واحدة من بينها إن لم تكن أهمها . ولهذا فإنني أرى أن بمقدوركم أن توجهوا إلى مئات الملايين من أتباع دياناتنا رسالة تثبت أن هذه المدينة المقدسة وما يرتبط بها من معالجة عادلة للقضية الفلسطينية تقدم مفتاحاً لتسوية الصراعات وزيادة التعاون والتواصل والتقارب بين الشعوب . ولا أحسب أن ذلك أمراً صعب المنال ما دامت لدينا الرغبة والإرادة والإصرار على إنهاء النزاع العربي الإسرائيلي بالوسائل السلمية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة

المشاركون الكرام ،

      أرجو لكم جميعاً ولحواركم التوفيق والسداد .

      والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،