بسم الله الرحمن الرحيم

 

السيد الرئيس ،

السيد الأمين العام ،

أصحاب السعادة ،

السيدات والسادة ،

      اسمحوا لي في البداية يا سعادة الرئيس أن أهنئكم على انتخابكم لرئاسة الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة ، متمنياً لكم النجاح والتوفيق في مهمتكم . وأود أيضاً أن أشكر سلفكم الرئيس ميغيل ديسكوتو بروكمان ، على عمله الدؤوب في الدورة السابقة .

      كما أود أن أشكر سعادة السيد بان كي – مون ، الأمين العام للأمم المتحدة ، على ما يبذله من جهد لتعزيز دور الأمم المتحدة .

السيد الرئيس ،

      إن هذه الدورة الجديدة للجمعية العامة تتوافق على نحو واضح مع حالة دولية لها خصوصية شديدة ، لأنها حالة من تلك الحالات التي تبين عند المفاصل الحساسة للتطورات التاريخية الكبرى ، ومثل هذه الحالات فرصة لإرساء قواعد، وتأكيد مبادئ ، وترتيب نظم في التعاملات الدولية ، وهي في نظرنا حالة شبيهة بحالة " فيينا " سنة 1814 – و"فرساي" 1919 – و " بوتسدام " 1945 .

      إن هذه الحالة وفرصتها التي نراها في العالم حولنا هي حالة استعداد للتجدد ، وبحث عن مستقبل مختلف ، وهي تجيء بعد فترة اضطرابات عاصفة شهدت نيران الحرب العالمية الثانية ، وصقيع الحرب الباردة ، حتى كان ما رأيناه من جموح قاد العالم – خصوصاً بعد مأساة 11 سبتمبر سنة 2001 – إلى متاهة الحرب على الإرهاب ، التي أعقبتها أزمة أسواق المال مع نهايات سنة 2008 .

      إن تدافع هذه التطورات الكبرى غيّر خريطة العالم ، وغيّر موازين القوة والنفوذ ، وجاء بأطراف قادرة في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا ، كما أوصل إلى عملية تطلع للتجدد في الولايات المتحدة الأمريكية نتابعها باهتمام ونتمنى لها النجاح بإخلاص .

      ونلاحظ أنه أثناء مراحل الصدام العالمي والاستقطاب ، ثم الاضطراب الكبير الذي أعقب الاثنين أن المجتمع الدولي عاش وعانى حيرة قاسية ، حين ثبت بجلاء أن سلام ورخاء العالم يحتاج إلى ما هو أكثر من سلاح الأقوياء ، ويحتاج إلى ما هو أكثر من ثنائية دولتين عظيمتين ، ويحتاج إلى ما هو أكثر من انفراد بلد واحد بالنفوذ مهما بلغت درجة تقدمه ، كما أنه يحتاج إلى إدارة أوسع وأشمل للطارئ الداهم من الأزمات.

      وهنا تظهر أهمية الفرصة السانحة التي تتبدى أمامنا بعد سنوات طويلة مزدحمة بعواصف النار والثلج والغبار ، لكي تؤكد لنا أن العالم يحتاج إلى مطلوب ضروري ، وفي الحقيقة فإن المطلوب الضروري موجود أمامنا محصلة لخبرة عميقة سبقت ، لكننا لا نعطيه العناية اللازمة رغم نداءات عديدة لفتت النظر نحوه ، ومحاولات خالصة النية دعت وطالبت بتجديده كي يفي بمهمته مع عصور متغيرة ، معياراً وحكماً للشرعية الدولية ، وهو بذاته وصفاته نظام الأمم المتحدة بكل فروعه ومؤسساته .

السيد الرئيس ،

      إنه من الواضح أمامنا أن أزمات العالم الخطرة تفاقمت عندما قررت الدول المؤثرة على النظام الدولي أن تخرج في ظروف سبقت بأهم قضايا الحرب والسلام والتقدم من إطار الأمم المتحدة إلى أطر أخرى خارجـــــه .

      وقد وقع ذلك فيما يتعلق بسياق السلاح التقليدي والنووي ، وباتفاقات وترتيبات للأمن طاولت مجالات عديدة ومتنوعة تغطي المسافة الشاسعة من الكون والفضاء، إلى السياسة والاقتصاد ، وكانت دعاوى الخروج بذلك كله من إطار الأمم المتحدة ما رآه البعض من أن هذه الموضوعات وغيرها ليس مما تستطيع الدول الصغيرة – وهي الغالبية في الأمم المتحدة – أن تساهم فيه ، وبالتالي فإن غيبتها أسهل ، لكنه في الظروف المستجدة وحقائقها فإن الذين طالبوا باحتكار القرار الدولي عليهم إدراك أنه عالم واحد ، وفي مثل هذا العالم الواحد فإن الاهتمام يتساوى حتى وإن تفاوت حجم القوة .

      إن ذلك يبدو لنا تأكيداً وتعزيزاً لنظرة نؤمن بها ونلح عليها – أساسها أن الوقت قد حان للرجوع إلى نظام الأمم المتحدة ، إطاراً يتسع للجميع ، وساحة معترفاً بها من الكل، وميثاقاً ارتضته أمم الأرض كافة ، عارفة أن المساواة في الحقوق لا تتعارض مع توزيع للمسؤوليات يأخذ في اعتباره تفاوت طاقات الأطراف وقدراتهم .

      إننا نعرف ونقدر الأهمية الكبرى لمرجعية دولية شاملة يعبر عنها نظام دولي شرعي ، يسود فيه ميثـــــاق وقانون ، وخبرة تاريخ سياسي دام وعصيب . كما أننا نعرف ذلك من اتصالنا بأزمات الشرق الأوسط وتعقيداتها ، فقد تشابكت هذه التعقيدات وزادت أثقالها وتداعياتها منذرة بأخطر العواقب عندما خرجت هذه الأزمات من مرجعية الأمم المتحدة إلى أطر خارجها تصور البعض أنها أسرع ، وأنها أكفأ ، بينما هي في الحقيقة تهرب أو هرب إلى مساحات ليست لها خرائط ، أو طرق سير ، أو علامات تهدي السائرين ، وكانت النتيجة مزيداً من التخبط والتعثر وتعقد الأزمات بدلاً من حلها .

السيد الرئيس ،

      إن العودة إلى مرجعية الأمم المتحدة ليست ضرورية فقط لحل أزمات مستعصية مثل أزمات الشرق الأوسط ، ولكنها حيوية أيضاً لتحقيق آمال لا يمكن بلوغها إلا بتوافق دولي شرعي داخل نظام متفق عليه ، ونموذج هذه الأزمات مثلاً هو المسألة الملحة للعثور على بدائل للطاقة ، وكذلك المسألة الحيوية المرادفة لها وهي متغيرات المناخ وتأثيراتها المؤكدة على البيئة وعلى الحياة على هذا الكوكب .

      وبالنسبة لقضية الطاقة فقد يبدو أن الدول المنتجة للنفط يفيدها أن يظل العالم معتمداً على إنتاجها ، لكني أود أن أؤكد أمامكم أننا نعتبر أمن العالم أماننا ، ورخاء العالم رخاءنا ، ولا يمكن أن يكون هناك أمن أو يكون هناك رخاء في يوم يجد العالم نفسه فيه أمام أزمة في الطاقة تهدد حضارته ذاتها بأكثر من تهديد أي حرب ، ولو كانت نووية .

      وأما بالنسبة لقضية تغير المناخ فلعلي أنتهز هذه الفرصة لأعرب عن تقديرنا غير المحدود للمبادرة التي قام بها الرئيس " باراك أوباما " بالدعوة إلى مؤتمر على مستوى القمة في إطار الأمم المتحدة لبحث هذا التحدي الأخطر الذي يهدد عالمنا – ليس في أمنــــه فقط ، وإنما في حياته ذاتها ، وعليه فإننا نعتبر هذه الدعوة موفقة في الموضوع الذي ركزت عليه – وموفقة في الإطار الذي اختارته للفت النظر وحشد الجهد ، وهو الإطار الجامع للأمم المتحدة .

      وفي الواقع فإننا نرى أن نظام الأمم المتحدة مكتمل في مؤسساته ، لكنه من الضروري الإسراع في إعادة تجديده ، وتدعيم مؤسساته بحيث يتطابق عمله مع الحقائق المستجدة في مجتمع الدول على اتساع القارات .

      إننا في هذه الدورة أمام حالة تاريخية – وأمام فرصة لا تتكرر كثيراً ، ومن واجب مجتمع الدول – خصوصاً أقوياؤه – تقدير مسؤولياتها بالتجاوب مع فرصتها السانحة .

السيد الرئيس ،

      لقد أنعم الله سبحانه وتعالى على دولة قطر بموارد هايدروكاربونية هائلة ومنها حقل غاز الشمال العملاق مما جعلها تحتل المرتبة الثالثة في العالم من حيث حجم الاحتياطي من الغاز الطبيعي . ومنذ اكتشاف هذا الحقل سعت الدولة إلى وضع التصورات والخطط اللازمة لتطوير مشاريع تزويد الغاز للسوق المحلية ، وتصدير الغاز الطبيعي المسال للأسواق العالمية ، وصناعة تحويل الغاز إلى سوائل ، والصناعات البتروكيماوية وغيرها من المشاريع الأخرى التي تعتمد على استخدام الغاز الطبيعي والذي يشكل استهلاكه أقل ضرراً بالبيئة مقارنة مع المواد المتحجرة الأخرى . وبالرغم من أن احتياطي دولة قطر سوف يكفي لسد احتياجاتها لعقود عديدة إلا أننا ندرك تماماً التحديات التي تواجه المجتمعات الدولية في المستقبل من حيث انعكاسات الانبعاث الحراري وتغيير المناخ وآثارها السلبية على مشاريع التنمية المستدامة .

      إن دولة قطر تدرك الإمكانيات الهائلة التي تكمن في مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة وخاصة منها الطاقة الشمسية والتي ينعم بها مناخنا بالجزء الوافر.

      وقد شجعت الدولة الصناعات القائمة والمنشآت التربوية ومراكز البحث العلمي على تطوير تقنيات الطاقة المتجددة التي تساهم في تحسين مستوى الكفاءة والأداء وتتناسب مع الظروف المحلية .

      إن دولة قطر تتطلع إلى مجهود دولي أكثر كثافة في ما يخص تبادل المعلومات والخبرات الدولية في مجال تطوير الطاقة الشمسية والطاقات المتجددة الأخرى وتحث البلدان المتقدمة على توفير التقنيات الحديثة في هذا المجال والمساهمة في إنجاز وتمويل مشاريع الطاقة المتجددة في شتى أنحاء العالــــم .

      وشكراً سعادة الرئيس .