بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب الفخامة والسمو ،
أصحاب المعالي والسعادة ،
سعادة رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة ،
معالي الأمين العام للأمم المتحدة ،
الحضور الكرام ،
يسرني أن أرحب بكم في الدوحة ، متمنياً لمؤتمركم النجاح في تحقيق أهدافه 0 ونحن إذ نقدر للجمعية العمومية قرارها عقد مؤتمر المتابعة الدولي لتمويل التنمية في
قطر ، نؤكد على الدور الحيوي الذي يؤديه هذا المؤتمر في الميدانين الإقتصادي
والإجتماعي ، والميادين المتصلة بهما في تشكيل رؤية إنمائية واسعة النطاق.
وتعلمنا السياسة أن الشعوب لم تعرف الأمن ، إلاّ عندما واصلت تنمية اقتصادها ، وثقافتها .
وتعلمنا الأزمات ، وآخرها هذه الأزمة المالية العاتية ، التي طغت على العالم كله ، أن استقرار الأفراد والمجتمعات ، يتصل بكفاءة التنمية ، وليس بمجرد زيادة الاستثمارات ، وتعظيم الأرباح 0
والحقيقة أننا إذا نظرنا إلى أسباب الركود الذي يوشك العالم المتقدم أن يدخل إليه ، ويجرّ معه بقية شعوب الأرض ، فسوف
نكتشف أنه
حين تأخرت التنمية ، تعرض التوازن الاجتماعي للخطر . وإذا نظرنا إلى عالم الأزمات ، وبالذات هذه الأزمة الأخيرة ، فسوف نكتشف أن السبب وراء كثير منها ، هو القصور في التنمية ، والتردد في مقاربتها .
إن الآثار الناجمة عن الأزمة العالمية الراهنة ، تؤكد لنا أنه ليس هناك امتياز خاص ، أو إستثناء لأحد من
معاناة الأزمات ، لأننا بالفعل في عالم واحد 0 إن ذلك كله يعطينا درساً علينا جميعاً أن نستذكره ، ونحفظه كأساس في مناقشة قضية التنمية الشاملة للمجتمعات ، ضرورة ، ومطلباً ، وأملاً لكل شعوب الأرض .
إن التنمية الشاملة ، بمعناها الحقيقي تعني العمل على ترقية الأفراد ، والمجتمعات ، والأوطان ، في كل المجالات ، من المجال الاقتصادي والاجتماعي إلى المجال الفكري والعملي ، إلى مجال الصحة
والرفاهية ، إلى مجال الحقوق الدستورية ، والقانونية . إن ذلك مختصر لمعنى التنمية الشاملة ، فهي ليست بعداً واحداً ، وإنما أبعاد متعددة ، تتصل بحركة وحيوية هذه المجتمعات ، وقدرتها ، ومواردها .
لقد ظل كثيرون ، ينظرون إلى التنمية من بعد واحد هو البعد المالي ، ولكننا نعرف الآن من دروس التاريخ ، والسياسة ، والأزمات ، أن التنمية كل شامل ، لا يقبل التجزئة ، ذلك أن التنمية هي الساحة الأوسع
لفرص التقدم الإنساني الشامل ، وإذا كنا في هذا المؤتمر نهتم ونعمل تحت شعار تمويل التنمية ، فلا بد أن يكون واضحاً في الوقت نفسه أن التمويل مجرد دافع يحفز الجميع إلى تحريك حقهم الواجب والمشروع .
إننا نعرف أن كثيراً من الأوطان والشعوب لا تنقصها الآمال والتطلعات ،
وإنما تنقصها الوسائل والأدوات ، والتمويل واحد من أهم هذه الوسائل وتلك الأدوات . لذلك فإننا حين نهتم به نفعل ذلك بأمل أن يكون حافزاً للانطلاق ، وحافزاً للتحقيق ، لكننا لا بد أن نتفق جميعاً على أن التمويل هو
ضمن الحوافز ، والدوافع ، ولا بد أن نتأكد طوال الوقت أن بقية الحوافز ، والدوافع ، قائمة وكامنة ، موجودة ومتوافرة ، ومتعاونة مع بعضها ، محاطة بكل الضوابط المطلوبة لها ، وأولها ضمانات النزاهة والشفافية .
إنني أريد أن ألمس هنا نقطتين ، أرى من واجبي أن أضعهما أمامكم بكل أمانة وتجرد :
النقطة الأولى ،
يراودنا إحساس في بعض الأحيان ، بأن هناك من يحاول إلقاء عبء التنمية كله على
الدول المنتجة للنفط ، وهذا منطق نرى فيه بعض التنصل والتحامل ، وفي اعتقادنا ، ونحن نتحدث عن قطر ، أن بلادنا قامت ، وتقوم ، وسوف تقوم بواجبها دائماً ، في إطار مسؤوليتها، وفي نطاق قدرتها
، وذلك حدث ويحدث بالفعل ، لكني أصارحكم أننا نشعر في بعض الأحيان أن هناك تصورات ترى أن تفرض على الدول المنتجة للنفط ما هو أكبر من طاقتها ، وتصل أحياناً إلى درجة التشويش .
والنقطة الثانية ،
أن الدول المتقدمة ، لا تملك الحق في أن تملي على غيرها ما يفعله ، وتلقي إليه بتوجيهات النصح والإرشاد ، ثم تعفي نفسها مما يناسب قدراتها من المساهمة الواجبة لقضية التنمية .
إن بعض المتقدمين ، يتعين عليهم أن يعرفوا ، أن التنمية مظلة سلام تحمي الجميع ، وأنها في كثير من ظروف التطور الإنساني ، أجدى بكثير في حفظ السلام من مجرد تكديس السلاح .
الحضور الكرام ،
إن التنمية مسؤولية كبرى في هذا المجتمع الكوني ، وهي ليست مطلب عدل وحق فقط ، ولكنها طريق استقرار وتقدم ، وطريق سلام وأمان لمجتمع الدول عبر كل القارات .
فعلينا أن نتخذ من الصعاب التي تواجهنا ما يدعم إرادتنا ويوحد جهودنا ، بما يسهم في الارتقاء بحياة البشر في العالم أجمع .
ورغم ذلك فإننا لن نألو جهداً في متابعة تطورات الأزمة للحد من أية تداعيات محتملة لها علينا 0 وسنتخذ المزيد
من الخطوات بالتنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي للحيلولة دون تعرض اقتصادات تلك الدول لأية آثار سلبية محتملة في المستقبل، وأيضاً لمناهضة أية ضغوط تضخمية ، خاصة بعد إعلان السوق
المشتركة لدول المجلس أوائل هذا العام . ونأمل كذلك في سرعة عقد اجتماع في إطار جامعة الدول العربية لذلك الغرض سيما وأن إقامة المنطقة الحرة بينها أسفرت عن تزايد نسبي للتجارة البينية العربية.
وفقكم الله ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .