بسم الله الرحمن الرحيم
حضرات الأخوة أعضاء مجلس الشورى ،
إنني أتطلع إلى لقائنا السنوي في بداية كل فصل تشريعي لمجلسكم الموقر بكثير من
الارتياح والثقة ، فلم يعد ذلك الاجتماع قاصراً على عرض أداء الحكومة ، وخططها التنفيذية لما تعتزم تحقيقه في المستقبل ، بل غدا ، بالإضافة إلى ذلك ، لقاء لتأكيد عزمنا جميعاً ، وتكاتف جهودنا
، وحشد طاقاتنا ، للمضي قدماً في طريقنا المرسوم لنهضة قطر ورفعة شأنها وتحقيق الرخاء لشعبها 0 ونحمد الله أننا حققنا الكثير في هذا المجال في فترة زمنية تعد قصيرة في عمر الدول والشعوب .
كما أود أن أشكر سلفكم
سعادة الدكتور سرجيان كريم على ما بذله من جهد في الدورة السابقة 0 وأود أيضاً أن أشكر سعادة السيد بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة على ما يبذله من جهد لتعزيز وتفعيل دور الأمم المتحدة .
حضرات الأخوة ،
لقد تحدثت إليكم في السنة الماضية عمّا تم إنجازه في مجال استكمال البناء التنظيمي والتشريعي للدولة ، لتوفير الإطار الضروري ، الذي تستطيع
فيه جهود التنمية أن تحقق أهدافها المرسومة ، في نطاق الرؤية الوطنية للدولة خلال السنوات العشرين القادمة 0 ولقد اتخذت الدولة بعد ذلك العديد من الإجراءات التي تراها ضرورية لإعادة هيكلة
الجهاز الحكومي ، ابتداءً باستحداث وزارات جديدة ، وإعادة هيكلة بعض الوزارات القائمة ، والهيئات والمؤسسات العامة والأجهزة الحكومية ، وانتهاءً بإعداد قانون إدارة الموارد البشرية في الدولة .
وتهدف تلك الإجراءات إلى زيادة فاعلية الجهاز التنفيذي ،
وتعزيز قدرته على إدارة المرافق والخدمات العامة ، وتقديمها للمواطنين بالكفاءة والسرعة اللازمتين ، وبكلفة اقتصادية دون هدر للوقت أو المال ، وتوفير الإمكانات اللازمة لتنفيذ الخطط التنموية .
الأخوة أعضاء مجلس الشورى ،
إن إقرار الرؤية الوطنية للدولة حتى سنة 2030 ليست نهاية المطاف ، بل ستليها مرحلة وضع الاستراتيجيات
اللازمة لتحقيق الأهداف المبتغاة ، في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والبيئية وغيرها ، والخطط اللازمة لتنفيذها 0 وهو عمل ليس باليسير ، لا يقتصر على الأجهزة الحكومية
وحدها ، بل يتطلب التشاور والشراكة مع الجهات المعنية ، لا سيما المجتمع المدني والقطاع الخاص والعمل على تفعيل دورهما في هذا الخصوص0 ذلك أن تحقيق أهدافنا في التنمية المستدامة ، ليس
مسؤولية الدولة وحدها ، بل هو مسؤولية وطنية يجب أن يشارك فيها الجميع 0 ولعله من المناسب في هذا الصدد ، وضع إطار تنظيمي لتلك المشاركة ، لا أن يترك أمرها للنوايا الحسنة وظروف الحال.
حضرات الأخوة ،
إننا نؤمن إيماناً راسخاً بأن التقدم العلمي والتكنولوجي هو أحد أهم مقومات الدولة العصرية ، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، والتزاماً منا بأن نحقق لقطر ما تصبو إليه
في هذا المجال، فقد أصدرنا القانون رقم (24) لسنة 2008 بشأن دعم وتنظيم البحث العلمي ، الذي أنشأ "المؤسسة القطرية لدعم البحث العلمي" وخصص لمواردها
المالية ما نسبته 2.8% من إيرادات الموازنة العامة للدولة ، بغية دعم وتمويل البحث العلمي ، والنهوض بمستواه ، وإدارة وتنمية واستثمار الموارد المخصصة له مع إعطاء الأولوية للبحوث المرتبطة
بالتنمية المستدامة للدولة ، وبموجب ذلك القانون تتمتع المؤسسة بالصلاحيات والمرونة اللازمة التي تتيح لها تحقيق أهدافها ، وستعمل أجهزة الدولة على أن توفر لتلك المؤسسة كل أسباب النجاح .
الأخوة أعضاء مجلس الشورى ،
لقد حقق اقتصادنا الوطني خلال عام 2007 ، معدلات نموّ مرتفعة ، فقد نما الناتج المحلي الإجمالي خلال ذلك العام بنحو 25% ، وكان دور القطاع غير النفطي مدعاة للارتياح ،
حيث نما بمعدل فاق معدّل نموّ القطاع النفطي ، وقد تحقق ذلك بشكل خاص ، في قطاعات الصناعة والخدمات الحكومية ، والماء والكهرباء ، والبناء والتشييد 0 كذلك فقد استمر تحقيق فوائض في الميزان التجاري
وميزان المدفوعات . كما ازداد إنتاجنا من النفط خلال العام السابق بنسبة 5% ، ومن الغاز الطبيعي كذلك، حيث وصلت طاقتنا الإنتاجية إلى 9 بليون قدم مكعب يومياً ، لوصول الطاقة الإنتاجية لمشروع دولفين
إلى حدها الأقصى ، والبدء في تشغيل خط إضافي لإنتاج الغاز الطبيعي المسال ،
مما جعل من قطر الدولة الخامسة في العالم في إنتاج الغاز الطبيعي ، كما عززت
قطر مكانتها كأكبر مصدر للغاز المسال في العالم ، حيث وصل إنتاجها الحالي إلى
نحو 31 مليون طن سنوياً .
وعلى صعيد الإنجازات الأخرى ، فقد أظهرت التقارير الدولية عن التنمية البشرية ، والشفافية ، والتنافسية ، وممارسة الأعمال أن قطر تحتل موقعاً متقدماً في هذا المجال ، مما يؤكد أن جهودنا
باتت تؤتي ثمارها . وإننا نتطلع إلى تحقيق المزيد من التقدم في مشروعاتنا المرتبطة بالاقتصاد والإنسان الذي هو محور التنمية وهاجسها الأول ، وخاصة فيما يتعلق بالتشريعات المنظمة للأسرة والطفل .
الأخوة الأعزاء ،
لقد استطاعت دولة قطر ، أن تحقق في السنوات الماضية نمواً اقتصادياً مرتفعاً ، وأن تسير بخطوات ثابتة على طريق التنمية المستدامة ، وبالرغم من الفوائد الجمة التي جلبها ذلك التقدم ، إلا أن السرعة الكبيرة التي نما بها
اقتصادنا الوطني ، والضغوط الناجمة عن متطلبات استكمال بناء البنية التحتية ، وتحسين الخدمات العامة ،بما في ذلك التعليم والصحة ، أدت إلى عدد من مظاهر الإجهاد في اقتصادنا الوطني ، تتمثل
في استمرار ارتفاع الأرقام القياسية لأسعار المستهلك ، وازدياد تكلفة المشروعات ، وتأخير مواعيد إتمامها ، وتكون عدد من مناطق الاختناق في الاقتصاد سببتها الزيادة الكبيرة في العمالة الوافدة .
من ناحية أخرى ، فإن الزيادة الكبيرة في جميع مكونات الطلب المحلي
، وما رافقه من زيادة غير مسبوقة في العمالة الوافدة ، وارتفاع أسعار المواد الأولية والمواد الغذائية في العالم خلال السنتين الأخيرتين ، جعل من مكافحة التضخم أمراً صعباً 0 فبالرغم من الجهود
المكثفة التي بذلتها الدولة في محاربة التضخم وإصدارها قوانين لحماية المستهلك وتشجيع المنافسة ، فإن معدلاته لدينا لا زالت مرتفعة ، وستستمر الحكومة في اتخاذ الإجراءات الضرورية اللازمة ، ومنها
تخفيض الطلب في الاقتصاد عن طريق الحدّ من زيادة الإنفاق الحكومي ، مع مراعاة الأولويات ، وزيادة التنسيق بين الأجهزة المالية والنقدية للهبوط بمستوى الأسعار ، ورفع القوة الشرائية للدخل الفردي .
حضرات الأخوة ،
إن الأزمة المالية العالمية الحالية ، وإمكانية تحولها إلى أزمة اقتصادية عالمية ، ستغير من طبيعة المشاكل الاقتصادية وترتيب أهميتها بالنسبة للعالم ، وبالنسبة لنا كذلك .
وقد أثبتت هذه الأزمة هشاشة النظام المالي العالمي وعجزه عن تلافي الأزمات الاقتصادية العالمية ، بالرغم من كونه من أهم مسبباتها . كما أظهرت
مدى التشابك والارتباط بين الأنظمة المالية الوطنية والنظام العالمي . سواء بالنسبة للدول المتقدمة صناعياً أم للدول النامية . وإذا كانت الدول المتقدمة قادرة على حماية أنظمتها المالية ومنعها من
الانهيار ، فإن الدول النامية ستتعرض لخسائر فادحة نتيجة هشاشة هذا النظام ، ولذا فقد بات من الضروري إعادة هيكلة ذلك النظام وإخضاعه لإجراءات تنظيمية جديدة ، تأخذ مصالح الدول النامية بعين الاعتبار .
ونحمد الله على أن آثار الأزمة العالمية على دولة قطر
، ستكون أقل من آثارها على العديد من الدول النامية الأخرى ، إذ أن المصارف والمؤسسات المالية في قطر تتمتع بملاءة مالية عالية ، وأن نظامنا المصرفي لا يشكو من نقص في السيولة ، بالإضافة
إلى أن الزيادة في إنتاج النفط والغاز ستعوض الانخفاض في أسعارهما إذا استمر ذلك الانخفاض ، وأن الاحتياطي المالي لدى الحكومة سيساعد على سدّ احتياجات البلاد إذا استدعى الأمر ذلك .
ولذلك فإنني أود التأكيد في هذا المقام على أن الأزمة العالمية لم
تحل دون استمرارنا في تحقيق التنمية المستدامة وفقاً للأهداف المحددة لها ، وفي تحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي ، وبناء سياسة مالية سليمة ، وغطاء مالي كفء ومأمون المخاطر ، والارتقاء
بالخدمات المالية للدولة ، وهو ما أكده صندوق النقد الدولي في أحدث تقاريره عن تلك الأزمة بالنسبة لدول الشرق الأوسط ، ومنها قطر ، من أن معدل النمو فيها لن يتراجع على غرار الدول المتقدمة .
ورغم ذلك فإننا لن نألو جهداً في متابعة تطورات الأزمة للحد من أية تداعيات محتملة لها علينا 0 وسنتخذ المزيد
من الخطوات بالتنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي للحيلولة دون تعرض اقتصادات تلك الدول لأية آثار سلبية محتملة في المستقبل، وأيضاً لمناهضة أية ضغوط تضخمية ، خاصة بعد إعلان السوق
المشتركة لدول المجلس أوائل هذا العام . ونأمل كذلك في سرعة عقد اجتماع في إطار جامعة الدول العربية لذلك الغرض سيما وأن إقامة المنطقة الحرة بينها أسفرت عن تزايد نسبي للتجارة البينية العربية.
الأخوة أعضاء مجلس الشورى ،
وفيما يتعلق بسياستنا الخارجية فإنها تلتزم بمبادئنا الثابتة في هذا المجال ، والمتمثلة أساساً في التعايش السلمي ،
والتعاون الدولي ، على أساس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والتمسك بقيم العدالة ، والانفتاح على الآخر ، والتفاعل بين الشعوب والثقافات والحضارات ، واحترام حقوق الإنسان .
ويأتي في مقدمة أولويات سياستنا الخارجية ، تعزيز علاقاتنا بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ، وتعميق أواصر الأخوة والتكامل معها ، وإننا نتطلع إلى قمتنا المقبلة ، في سلطنة عُمان الشقيقة ، وكلنا ثقة
في أن رعاية أخينا صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد لهذه القمة ستساهم في الخروج منها بنتائج إيجابية تلبي طموحاتنا وتطلعات أبناء المنطقة في تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية .
ومن واقع انتمائنا العربي فإننا نسعى دائماً إلى تطوير منظومة العمل العربي المشترك وتعزيز التضامن العربي ، وإننا إذ نرحب بأشقائنا قادة الدول العربية الشقيقة في قمتهم التي ستستضيفها
الدوحة خلال شهر مارس المقبل ، لنعرب عن الأمل في الخروج من هذه القمة بنتائج على مستوى التحديات التي تواجهها أمتنا العربية في الوقت الحالي خاصة في فلسطين والعراق والسودان ولبنان .
وفيما يتعلق بقضية فلسطين ، وهي القضية المحورية
في قضايا الشرق الأوسط ، فإن التوصل إلى حلّ سلمي ، يستند إلى قرارات الشرعية الدولية بات ضرورة ملحة بالنظر للأوضاع المتردية في الأراضي المحتلة ، وإننا ندعو المجتمع الدولي
إلى العمل على رفع الحصار الظالم عن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة الذي يعاني من ظروف معيشية مأساوية 0 كما نؤكد وقوفنا إلى جانب الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني ، وندعو إلى
احترام كافة مؤسسات الشرعية الفلسطينية ، ونعرب عن الأمل في أن يضع الأخوة الفلسطينيون حداً للتنازع الداخلي بينهم من خلال حوار مشترك يحقق المصالح العليا للشعب الفلسطيني .
وبالنسبة للعراق فإننا ندعو القوى الرئيسية فيه إلى أن تعمل معاً لتحقيق
التوافق ، وتكريس مبدأ المشاركة الفاعلة والمتوازنة في العملية السياسية على النحو الذي يحفظ حقوق ومصالح أبناء الشعب العراقي ، ويعزز وحدة بلدهم وسيادته واستقلاله .
أما عن السودان فإننا نعرب عن ارتياحنا لالتزام جمهورية السودان
بالتعاون مع المجتمع الدولي لحل الصراع في إقليم دارفور ، ونثمن الجهود المبذولة من الجامعة العربية بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لمعالجة هذه الأزمة ، ونأمل أن تتجاوب جميع الأطراف
مع المبادرة العربية الأفريقية التي ترعاها دولة قطر ، لحلّ أزمة دارفور ، ونطالب المجتمع الدولي بتقديم الدعم والمساندة لهذه المبادرة للتوصل إلى تسوية سلمية تحفظ للسودان الشقيق وحدته وسيادته .
وبالنسبة للبنان فإننا نعرب عن ارتياحنا البالغ لما اتخذ من خطوات
لتنفيذ اتفاق الدوحة الذي حظى بدعم إقليمي ودولي ، وحرص جميع الأطراف اللبنانية على التقيد به ووضعه موضع التنفيذ ، وتغليب المصلحة الوطنية حفاظاً على مستقبل لبنان وازدهاره وأمنه .
حضرات الأخوة أعضاء مجلس الشورى ،
لا يفوتني في ختام كلمتي أن أتوجه إليكم بخالص الشكر والتقدير ، على عطائكم المستمر ، ومساهماتكم القيمّة في دعم جهود التنمية وإثراء العمل التشريعي ، متمنياً لكم كل التوفيق .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .