بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأخوة أعضاء مجلس الشورى،
باسم الله ، وعلى بركته، أعلن إفتتاح الدور التاسع والعشرين، لأعمال مجلسكم الموقر.
حضرات الأخوة،
إنه لمن دواعي سروري أن ألتقي بكم مجدداً هنا، كما إعتدنا في كل عام، لنفتتح أعمال هذا
المجلس الذي يمثل ركناً أساسياً من أركان الحكم والدولة. فمبدأ الشورى ـ كما أكدنا أكثر من مرة ـ هو أحد الثوابت الرئيسية في سياستنا الهادفة لتحقيق مشاركة شعبية مسؤولة في عملية صنع القرار ومتابعة تنفيذه.
كما أن الشورى هو النهج الصائب والخطوة المبدئية الصحيحة لتحقيق
تلك الغاية من خلال المؤسسات الدستورية لإرساء دولة القانون والمؤسسات التي ننشدها.
أيها الأخوة،
إن هذا اللقاء السنوي فرصة طيبة نستعرض فيها معاً ما تحقق من إنجازات وما واجهناه من سلبيات
على الصعيد الداخلي وما تشهده منطقتنا والعالم أجمع من أحداث ومتغيرات، وأثرها على بلادنا وأمتنا العربية، وعلاقة كل ذلك بمحيطنا الإقليمي والدولي الذي نحن جزء فاعل منه.
ويأتي إنعقاد هذا الدور لمجلسكم الموقر والعالم على أعتاب قرن جديد يشهد وسيشهد تطورات
وتغيرات شاملة وسريعة تختلف في أنماطها عما سبقها على مر السنين والقرون الماضية.
ونحن بعون الله عازمون على الإنتماء إلى هذا القرن الجديد من خلال الأخذ بكل أسباب الرقي
والتقدم وتطوير نظامنا التعليمي وسلطاتنا التشريعية والتنفيذية والقضائية ونظامنا الدستوري وتشريعاتنا الإدارية والمدنية
والتجارية، مع عدم المساس بقيمنا وتقاليدنا ومبادئنا الإسلامية الساميــــــة.
وهذا العزم الثابت على بناء مؤسساتنا الدستورية والسياسية، وتحديث أجهزتنا الحكومية والإدارية،
يترافق مع الجهود والبرامج المتواصلة التي نهدف من خلالها إلى تحقيق التنمية الشاملة التي
نعلق عليها أهمية قصوى. وفي هذا المجال فإن إستراتيجيتنا تتجه نحو دعم الإقتصاد وتنويعه
والإرتقاء بمستوى الخدمات الإجتماعية مع تعزيز دور ومشاركة القطاع الخاص في عملية التنمية
مع الحفاظ على التوازن الدقيق بين أولوياتنا التنموية والإعتبارات الإجتماعية المتصلة بها.
ذلك أن الأوضاع الإقتصادية ومنها المالية المرتبطة بأسعار النفط والغاز ومشتقاتهما في
الأسواق العالمية تنعكس دائماً سلباً أو إيجاباً على بلادنا، شأنها في ذلك شأن سائر الدول
المنتجة والمستهلكة لهذه المادة الحيوية.
فالدورة الإقتصادية العالمية أصبحت مترابطة بشكل وثيق، واقتصادنا جزء من هذه الدورة.
ونحن في سبيلنا، والحمد لله، إلى تجاوز الآثار السلبية التي نجمت عن الإنخفاض الحاد الذي شهدته
أسعار النفط في الأسواق الدولية قبل حوالي سنتين. وها نحن الآن نشهد الأسعار التي بدأت تلامس
أعلى المستويات التي وصلت إليها منذ سنوات.
ولكن ذلك يجب أن لا يدفعنا إلى التخلي عن عامل الحيطة والحذر
عند تقدير حجم إيراداتنا ومستويـــــات إنفاقنا. بل، على العكس من ذلك يجب علينا أن نظل حريصين
على تحقيق التوازن بين الإيرادات والمصروفات. فأسعار النفط تظل مرتبطة، أولاً وأخيراً بعوامل
السوق وتقلباته. وارتفاع الأسعار الذي نشهده اليوم قد يتحول إلى إنخفاض غداً . ولهذا،
يتعين علينا أن نتابع هذه التطورات بدقة، وأن نخطط إقتصادنا بما يتلاءم مع أولوياتنا
التنموية والإستثمارية على المدى البعيد، لنحافظ على الثبات والإستقرار، ونجنب إقتصادنا الهزات.
لقد حقق الإقتصاد القطري بفضل الله إنجازات ملحوظة في إقامة المشاريع الصناعية الكبرى والتوسع
فيها وبدأ البعض منها يعطي النتائج المرجوة وخاصة مشاريع الصناعات التي تعتمد على مصادرنا
الطبيعية التي حبانا الله بهــــــا من النفــــط والغـــــاز. وسوف يكون تركيزنا
المستقبلي بجانب الصناعات الأساسية على الصناعات المتوسطة
والخفيفة لتساهم في تكامل مسيرتنا التنمويــة في شتى المجالات.
حضرات الأخـــوة،
لا شك أنكم تتفقون معي في أن أهم الأحداث التي مرت ببلدنا على المستوى الوطني في هذه السنة هو
إنتهاء محكمة العدل الدولية من نظر خلافنا الحدودي مع دولة البحرين الشقيقة بسماع
المرافعات الشفوية للطرفين تمهيداً لإصدار حكمها النهائي المتوقع صدوره قبل نهاية هذا العام.
وكما تعلمون أيها الأخوة فقد بذلت دولة قطر جهوداً مضنية للتوصل إلى
حل سلمي لهذا الخلاف الذي طال أمده حتى تجاوز النصف قرن من الزمان.
ولم يكن هدف قطر من ذلك الحصول على حقوقها القانونية المشروعة فحسب، بل إنهاء وضع شاذ،
أثر على العلاقات الأخوية بين شعبين إرتبطا على الدوام بأوثق علاقات الأخوة وأقواها.
وحرصاً على أن تعود هذه العلاقات، دون شوائب، إلى مستواها الطبيعي،
ذهبت قطر والبحرين إلى محكمة العدل الدولية ملتمسين حل هذا الخلاف وفقاً لأحكام القانون الدولي.
إن الخلاف القطري البحريني ليس خلافاً حدودياً عادياً على بضعة أمتار هنا أو هناك،
بل تأتي غرابته التي تجعل منه كما قلت وضعاً شاذاً خاصة في ظل أوضاعنا وتقاليدنا الخليجية،
في أنه داخل مياهنا الإقليمية، أي في داخل بيتنا، على بعد أمتار قليلة من ساحلنا تقع جزر حوار
التي منحتها السلطات البريطانية سنة 1939 للبحرين بقرار جائر لا تملك الحكومة البريطانية سلطة
إصداره، بُني على إعتبارات سياسية واقتصادية تمثلت في المصالح البترولية، ولم يبنَ على أي إعتبار قانوني.
إننا نتطلع الآن بكل الثقة إلى محكمة العدل الدولية آملين أن تعيد الحق إلى نصابه وأن يكون
قرارها فاتحة لعهد جديد في العلاقات بين الدولتين وشعبيهما الشقيقين ودعماً حقيقياً للسلم والإستقرار في منطقتنا الخليجية.
الأخوة أعضاء مجلس الشورى،
لقد تابعنا جميعاً أحداث الإنتفاضة الباسلة للشعب الفلسطيني، وتصدي المواطنين في الأراضي المحتلة
لمحاولات إنتهاك حرمة أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، والتي أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك
أن القدس الشريف هو لب الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وأن لا تنازل للعرب والمسلمين كافة عنها.
فقد واجه أبناء الشعب الفلسطيني العزل القوة العسكرية الإسرائيلية ببسالة نادرة، دفاعاً عن
حقوقهم وكرامتهم ومقدساتهم، وكان من الطبيعي أن يؤدي العنف الإسرائيلي وممارساتها الإستفزازية
في الأراضي المحتلة إلى تأجيج مشاعر الأمة العربية والإسلامية،
واستثارة مشاعر الرأي العام فيها، فخرج ساخطاً رافضاً لهذه الإعتداءات السافرة.
ونحن نؤكد من جديد موقفنا الثابت بأن السلام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تسوية
عادلة وشاملة ودائمة تنطوي على إنسحاب إسرائيل الكامل من جميع الأراضي العربية التي إحتلتها عام 1967
بما في ذلك هضبة الجولان السوريــــة المحتلــــة، وحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه الوطنية
المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشريــــــف.
وفي هذا الصدد فإننا ندعو إلى إعطاء الإتحاد الأوروبي دوراً أكبر في عملية السلام
في الشرق الأوسط لما لهذا الإتحاد من وزن كبير ومؤثر لا يمكن إغفاله أو تجاهله.
أيها الأخوة،
ونحن نتحدث عن الصراع العربي الإسرائيلي لا بد لي أن أشيد بالدور الرئيسي للمقاومة اللبنانية الباسلة بقيادة
حزب الله في تحرير الأراضي اللبنانية من الإحتلال الإسرائيلي وإرغام إسرائيل على الإنسحاب من جنوب لبنان وبقاعه
الغربي.
لقد أثبتت المقاومة اللبنانية أن الآلة العسكرية مهما كانت متطورة ومتقدمة لا يمكن أن تتغلب على شعب يملك
العزيمة والإرادة والشجاعة على الصمود والتصدي لنيل حقوقه المشروعة المغتصبة.
كما أننا ننظر إلى الواقع المرير الذي ما زال يعيشه الشعب العراقي الشقيق واستمرار معاناته الصعبة وظروفه
القاسية، التي تثير في نفوسنا الإحساس بالأسى والمرارة. ولذا فإننا ننادي بضرورة الخروج
من هذه الأزمة، وإيجاد الحلول المناسبة
لها، إنطلاقاً من إعتقادنا بحتمية وجود حل سياسي ممكن لهــــذه الأزمة يضمن المحافظة على وحدة العراق وكيانه،
أرضاً وشعباً، وتجنيب المنطقة بأسرها المزيد من الآلام والمخاطــــر.
أيهـــا الأخـــــوة،
تحتضن قطر في الثاني عشر من الشهر المقبل مؤتمر القمة الإسلامية التاسع، الذي يلتئم في ظل
ظروف عربية وإقليمية ودولية صعبة ومعقدة. وإننا في الوقت الذي نرحب فيه بضيوفنا قادة
الدول الإسلامية في بلدهم الثاني قطر، نسأل الله تعالى أن يوفقنا في مهمتنا بالخروج من هذا
المؤتمر بقرارات تساهم في دفع مسيرة العمل الإسلامي المشترك وتحقق مصالح الأمة الإسلامية وأهدافها
حضرات الأخوة أعضاء مجلس الشورى،
إن إيماننا بالله عزّ وجل، وبهدي كتابه الكريم، وسنة نبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام،
يعطينا الثقة بالنفس ويمدنا بالعزم، لنوفر لشعبنا ولأجيالنا القادمة حياة أفضل ومستقبلاً أكثر إشراقاً.
فلنعمل معاً، بروح وثّابة وقوية، ولنضاعف الجهود، ونسخّر كـــل الإمكانيات من أجل هذا الوطن وعزته
ومنعته ورخائـــــــه.
والله أسأل أن يوفقنا وإياكم، وأن يسدد على طريق الخير خطانا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.