بسم الله الرحمن الرحيم
الأخــوة الكـرام أعضـاء مجلس الشـورى ،
يسعدنــي أن التقـي بكم اليوم ، وأن أعلن افتتاح الــدور الســـادس والثلاثين لمجلسكم الموقر .
حضــــرات الأخـــــوة ،
قبل أن أتحدث إليكم عمّا حققته جهودنا في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في السنة الماضية ، أود أن أشير إلى بعض الأمور التي نراها ضرورية ، ليس لاستكمال البناء التشريعي والتنظيمي للدولة فحسب ، بل لتوفير الإطار المتكامل الذي تستطيع في ظله جهود التنمية أن تمضي قدماً في طريقها المرسوم وأن تحقق ثمارها المنشودة .
لقـد تحدثت إليكم مرات عـدة ، عن بناء دولة المؤسسات والقانون ، وعن جهودنا في تطوير العمل التنفيذي للدولة ، وتحريره من المعوقات ، وعن أهمية دور القطاع الخاص ومشاركته الفعالة في بناء الدولة الحديثة التي نتطلع إليها .
وقـد اتخذنا في السنة الماضية عـدة خطوات أساسية في هذا السبيل .
فقد تم إنشاء المحكمة الدستورية التي تختص بمراجعة أحكام القوانين من حيث اتفاقها مع الدستور ،
والمحكمة الإدارية التي تخضع كافة العلاقات القانونية الإدارية لولاية القضاء بما يعني سيادة القانون وتحقيق العدالة الناجزة ، ولم يكن ذلك استكمالاً لهياكل السلطة القضائية فحسب ، بل استكمالاً للعناصر الضرورية التي تكفل استقرار المعاملات المدنية والتجارية ، العامة والخاصة ، مع ما لذلك من اثـر كبير في تنشيط تلك المعامــــــلات ودفع جهـــــــود التنمية .
كما أُلغيت وزارة شؤون الخدمة المدنية والإسكان ، ترسيخاً لمبدأ اللامركزية في الشأن الإداري والوظيفي ،
بمنح وزارات وأجهزة الدولة العامة الاستقلال الإداري في تنظيم وإدارة شؤونها بما يحقق سرعة وفاعلية الأداء ، واعتماد أساليب إدارية غير نمطية تواكب معطيات الإدارة الحديثة ،
كما صدر قانون جديد بنظام الإسكان يعتدّ بمبدأ المواطنة ، وليس بالوضع الوظيفي ، كأساس للانتفاع بوحدات الإسكان .
من ناحية أخرى فقد أعيد إنشاء وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لتنظيم علاقات العمل في القطاع الخاص
، تأكيداً لدوره الأساسي في التنمية ، والنمو الكبير في عدد العاملين في ذلك القطاع ، ولتولي شؤون الرعاية الاجتماعية بوجه عام .
وفي السياق نفسه ،
أُستحدث قانون المؤسسات الخاصة ذات النفع العام لإتاحة مشاركة المجتمع المدني في العمل العام بتمكينه من إنشاء مؤسسات خاصة تسهم في الأنشطة ذات النفع العام ولا تعتمد على تمويل الدولة .
وتأتي هذه الأمور ، وغيرها في إطار رؤية متكاملة ترسمها الدولة لمسيرة التنمية الشاملة في السنوات المقبلة والأهداف التي ترمي إلى تحقيقها .
حضرات الأخوة ،
لقد واصل اقتصادنا أداءه القوي الذي عكسته البيانات والمؤشرات الكلية المختلفة ، فقد نما الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي بمعدل يقدر بنحو 25% واستمر في نمــوه المرتفع في النصف الثاني من هذا
العام ، وصاحب هذا النمو تحقيق نتائج إيجابية في معظم المؤشرات الاقتصاديــــــــة الكليـــــــة الأخرى .
وفيما يتعلق بمشكلة التضخم التي ظهرت في اقتصادنا الوطني خلال السنوات الأخيرة ،
حيث وعدت في خطابي السابق لمجلسكم الموقر بتكثيف الجهود للتغلب عليها ،
فقد وجّهنا الحكومة لإعطاء أولوية كبيرة لمعالجة المسببات الداخلية لهذه الظاهرة ، وتشكيل لجنة لدراستها واقتراح الحلول العملية والسياسات المناسبة . وفي إطار الحلول ذات الفاعلية السريعة ، لاسيما في القطاع العقاري ، بما في ذلك مواد البناء ، باعتباره العامل المحرك والمكون الأهم في ظاهرة التضخم ، تم اتخاذ إجراءات تنسيقية عملية ،
على الصعيدين الإداري والتنفيذي ، شملت جميع الجهات المعنية بتوفير المباني السكنية والإدارية ، بدءاً بمرحلة التراخيص وانتهاءً بتوفير المواد الأولية لقطاع البناء ،
وشملت عملية التنسيق الجهات المعنية بالإنتاج المحلي والاستيراد لتلك المواد بما في ذلك رفع الطاقة الاستيعابية للموانيء ، وعدم زيادة الرسوم المتعلقة بالبناء .
وقـد بدأت هـذه الإجراءات تعطي بعض ثمارها ، حيث نلحظ زيادة في عرض عدد من مواد البناء .
كما بدأت في الربع الثاني من العـام الجاري مرحلة تتسم بتباطؤ تضخم الإيجارات والمستــــوى العام للأسعار ، ونتوقع أن تؤدي الإجراءات المتخذة والتي ستتخذ إلى انحسار التضخم ومسبباته الداخلية ،
وبدء مرحلة جديدة تتميز باستقرار الأسعار عموماً والتوازن بين العرض والطلب في سوق العقار بشكل خـاص.
وعلى صعيد مواجهة التضخم على المدى الطويل ،
يجري إعداد دراسات ذات طابع عملي بهدف تطوير وإصدار القوانين المتعلقة بتنظيم الاقتصاد في جوانب الإنتاج والتوزيع مع مواصلة اتخاذ الإجراءات الضرورية للتنسيق بين الجهات النقدية والمالية من أجل السيطرة على السيولة النقدية وإصدار الأدوات التي تساعد على هذه السيطرة إذا تطلب الأمر ذلك .
وسنستمر في مراقبة ظاهرة التضخم وبذل كافة الجهود للسيطرة عليها .
حضرات الأخوة ،
لقد حافظت الاستثمارات المحلية ، وبمشاركة أجنبية هامة ،
على معدلاتها المرتفعة في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات والعقارات ،
وشهد العام الماضي وهذا العام عدة تطورات يمكن أن تعتبر معالم رئيسية في صناعة الهيدروكاربون القطرية ، نجملها فيما يلي :
أصبحت قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم ببدء الخط الخامس لشركة رأس غاز ، حيث وصلت طاقتنا الإنتاجية إلى أكثر من 30 مليون طن سنوياً.
أتم وضع حجر الأساس لأكبر مشروع صناعي في العالم لتحويل الغاز إلى سوائل بناءً على اتفاقية للمشاركة في الإنتاج ، وسينتج هذا المشروع
( 120 ) ألف برميل مكافيء نفط يومياً من المكثفات وسوائل الغاز وغاز الإيثان ،
و ( 140 ) ألف برميل يومياً من الوقود السائل النظيف .
يتم البدء بتصدير الغاز القطري إلى دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة عن طريق الأنابيب ، ومن خلال ذلك المشروع سيتم تصدير 2 بليون قدم مكعب يومياً من الغاز ولمدة 25 عاماً .
ومن جانب آخر ، نجحت قطر في استقطاب عدد من المؤسسات المالية والبنوك العالمية لزيادة القدرة على تمويل الاستثمارات المحلية ،
والعمل جارٍ لتفعيل الهيئة التنظيمية المالية التي تهدف إلى التنسيق بين جميع المراكز المالية في الدولة مثل مصرف قطر المركزي ومركز قطر للمال وهيئة الأوراق المالية وسوق الدوحة للأوراق المالية من أجل زيادة كفاءة القطاع المالي والنقدي وضمان حسن الأداء .
وهناك خطط طموحه وأعمال قيد التنفيذ لاستكمال تطوير البنية التحتية بما في ذلك المطار والمرافيء والطرق والمدن الصناعية والمناطق الاقتصادية بهدف تشجيع الاستثمار وزيادة مرونة الاقتصاد .
ولم تقتصر نشاطاتنا الاقتصادية على الاستثمارات المحلية ، وإنما تعدتها لتشمل الاستثمارات الخارجية ،
فقد كثّفَت قطر جهودها في الخارج لتوسيع الاستثمارات في الصناعات الهيدروكاربونية والصناعات اللاحقة لزيادة المنفعة من التكامل العالمي في هذه الصناعة ،
كما كثّفنا جهودنا لتوسيع قاعدة الاستثمارات غير الهيدروكاربونية لتنويع مصادر الدخل وتقليل المخاطر الناجمة عن الاعتماد على مصادر محدودة للدخل .
حضرات الأخوة ،
لقد كانت خياراتنا ، في المجال الاقتصادي محدودة في السابق ، وتمثلت في تطوير صناعاتنا الهيدروكاربونية والاستغلال الأمثل لمواردنا الطبيعية الناضبة .
أما الآن فخياراتنا أصبحت متعددة ، ولا بد لنا من اختيار المسار الأمثل الذي يتماشى مع إمكاناتنا الجديدة ومع متطلبات شعبنا المستقبلية . ونحن الآن في مرحلة متقدمة لبلورة رؤية واضحة المعالم لما نريده لقطر المستقبل ،
وستكون هذه الرؤية إطاراً ومرتكزاً للاستراتيجيات المستقبلية التي سنتبناها والتي بدأنا العمل على تطويرها ، وتهدف هذه الاستراتيجيات إلى بناء الإنسان القطري القادر على التعامل
مع متطلبات عصره بكفاءة وندية وإلى بناء اقتصاد معرفي يتميز بالقدرة على الاستمرار في المنافسة عالمياً والاستمرار في النمو ، وسيتــــم ذلك من خلال الاستمرار
في العمل على تطوير مواردنا البشرية ، وقدراتنا الاقتصادية لكسب مزايا تنافسية جديدة في مجالات مختلفة في المستقبل ، وسنقوم بذلك عن طريق تشجيع الصناعات والخدمات المكملة والمساندة واللاحقة لصناعاتنا الأساسية مع التركيز على استمرارية تفعيل دور القطاع الخاص في هذه النشاطات ، وعن طريق تشجيع الأنشطة الاقتصادية المرتكزة على المعرفة مع تكثيف الجهود للارتقاء بمستوى التعليم والتدريب وبناء القدرات التي نفتقدها في البحث والتطوير .
وقد وجهنا للبدء في إعداد آلية لتوفير مختلف أنواع الدعم والتسهيلات لشبابنا وشاباتنا من أصحاب المبادرات الذاتية البناءة في مجال العمل الحر ، لتشجيعهم وتوفير فرص النجاح لمشاريعهم وتعزيز روح المبادرة لديهم .
وكما تعلمون فإننا نعمل في هذا السبيل على تنويع فرص التعليم الأساسي ، والتأكيد على نوعيته ،
والتوسع في التعليم التكنولوجي والتطبيقي ، وتطوير التعليم الجامعي ،
مع العناية في هذا المجال بإنشاء شراكات مع مؤسسات التعليم العالي في الدول المتطورة ، مع المحافظة على الهوية الوطنية والثوابت الثقافية .
من ناحية أخرى ، فإننا نولي اهتماماً كبيراً للبحث العلمي ،
سعياً منا إلى أن تكون قطر دولة منتجة للمعرفة ، لا مستهلكه لها فقط ، مع الاهتمام بإنشاء مراكز بحثية متميزة ،
وتعزيز التعاون مع مؤسسات البحث العلمي في العالم ، وإنشاء الصندوق الوطني لدعم البحوث وتمويلها من خلال معايير تنافسية تشجع الابتكار والإبداع .
حضرات الأخوة ،
وفيما يتعلق بسياستنا الخارجية ، والتي يأتي في قائمة أولوياتها دعم مجلس التعاون لدول الخليج العربية ، وتعزيز وتطوير العلاقات بين دولنا الشقيقة ،
وصولاً إلى أهدافنا المشتركة في تحقيق التكامل بيننا في شتى المجالات ، فإننا إذ نرحب بأشقائنا قادة دول المجلس في قمتهم التي تستضيفها دولة قطر بإذن الله خلال شهر ديسمبر القادم ،
لنأمل في الخروج من هذه القمة بقرارات تحقق آمال وتطلعات وطموحات المواطن الخليجي ، وتساهم في دعم الأمن والاستقرار في عالمنا العربي ومنطقتنا الخليجية .
إن الأمن والاستقرار في منطقتنا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار السياسي والاقتصادي ،
فكل منهما مكمل للآخر ، ولذلك فإن استمرار النزاعات ، وخاصة الإقليمية منها ، لا يوفر البيئة والمناخ الملائمين للتطور والاستقرار ،
كما أن مسألة أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط باتت تشكل هاجساً أمنياً ، يستلزم العمل الجماعي الفعال بجعل المنطقة بأسرها خالية من هذه الأسلحة .
وفي الإطار نفسه ، فإننا نسعى إلى تعزيز التضامن العربي ، وتطوير منظومة العمل العربي المشترك ،
والتركيز على مصالح امتنا العربية والتعامل بفاعلية مع ما تواجه من تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية ، بما يحقق لشعوبنا طموحاتها في الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة .
ولذلك فإننا سنساند كل جهد يرمي إلى تحقيق السلام العادل والشامل والدائم في المنطقة ، واستئناف عملية السلام ،
على أساس قرارات الشرعية الدولية ، ومبدأ الأرض مقابل السلام ، ونطالب المجتمع الدولي بالعمل على رفع الحصار الظالم عن الشعب الفلسطيني .
ومن ناحية أخرى ، فإننا نعرب عن بالغ الأسف لما حدث بين الأخوة الفلسطينيين ، وندعو جميع الأطراف ،
تحقيقاً للمصالح الفلسطينية العليا ، إلى تغليب لغة الحوار والالتزام بتنفيذ اتفاق مكة المكرمة ، واحترام مؤسسات الشرعية الفلسطينية .
كما أننا نتطلع إلى أن يتجاوز العراق الشقيق محنته المؤلمة ، وندعو مختلف القوى والطوائف الرئيسية فيه ،
إلى التوافق ونبذ الخلافات وتكريس مبدأ المشاركة الفاعلة والمتوازنة في العملية السياسية بما يحفظ حقوق ومصالح أبناء الشعب العراقي .
وعن الوضع في لبنان ، فإننا نرى أن الحوار الهادف والبناء وتغليب المصلحة الوطنية ، هو السبيل الأمثل لحل الأزمة السياسية في هذا البلد الشقيق .
من ناحية أخرى فإننا نسجل ارتياحنا لالتزام جمهورية السودان بالتعاون مع المجتمع الدولي لحل الصراع في إقليم دارفور ،
ونطالب المجتمع الدولي بالضغط على الأطراف غير الموقعة على اتفاق ابوجا من أجل التوصل إلى تسوية سياسية شاملة .
أما عن الوضع في الصومال ، فإننا نؤكد على وحدة هذا البلد الشقيق واستقلاله وضرورة تحقيق الأمن والاستقرار فيه والذي من شروطه خروج القوات الأجنبية منه والسعي الصادق نحو الوفاق الوطني الذي يشمل جميع فئات وأطياف الشعب الصومالي .
كما ندعو إلى تضافر الجهد العربي والإقليمي والدولي لتقديم مختلف أشكال الدعم للشعب الصومالي لتمكينه من بناء مؤسساته وإعادة إعمار بلاده .
حضــرات الأخوة أعضاء مجلس الشــورى ،
إننا نتطلع إلى المستقبل بكل الرضا والاطمئنان ، واثقين بأننا ، بعون الله ،
سنُحقق لبلدنا الغالي كل ما هو أهل له من رفعة وتقدم ، وسنعمل كذلك على دفع جهودنا في التنمية الاجتماعية ، والعلمية ، والعمرانية ، وفي مجالات الثقافة والفنون وغيرها من أوجه النشاط الإنساني لتسير جنباً إلى جنب مع ما نحققه من تقدم مستمر في المجال الاقتصادي ،
لتكتمل بذلك منظومة التنمية الشاملة المستدامة لوطن نعتز بالانتماء إليه ونفخر بانجازاته .
أشكركم على جهودكم القيمة ونحن على ثقة من أن هذا الفصل التشريعي سيكون ثرياً بعطائكم كما عودتمونا دائماً .
وفقـكــم الله ، والسـلام عليكم ورحمـة الله
وبركاته ،