بسم الله الرحمن الرحيم

 

أصحاب السعادة، ،

الحضور الكرام، ،

      أرحب بكم جميعاً في منتدى الدوحة للديمقراطية والتنمية والتجارة الحرة في دورته السابعة. وقد مر منتداكم منذ أولى دوراته بمدة أحسبها كافية لمراجعة مسيرة القضايا الأساسية التي يهتم المنتدى بمتابعتها. وأبدأ بالديمقراطية التي زاد الاهتمام بتطورها في منطقتنا خلال السنوات القليلة الماضية. وكان الأمل أن تعوض المنطقة الزمن الذي فاتها، وتختصر الطريق لتلحق بالركب العالمي نحو الحرية. لكنكم تعلمون أن ما تحقق إلى الآن لم يرق إلى المستوى المأمول، بل وقد شهدت الآونة الأخيرة صوراً من الفتور والتراخي في دفع مسيرة الإصلاح بحجة أن ظروف المنطقة لا تسمح بذلك. ولا يختلف اثنان على أن الظروف السائدة في الشرق الأوسط لا تزال على درجة عالية من الحساسية والتعقيد. إلا أن ذلك ليس بمبرر للتهرب من الاستحقاق الديمقراطي. فقد سبق للمنطقة أن جربت تأجيل، إن لم يكن تجميد، الإصلاح الشامل لسنوات طويلة، مستخدمةً شتى الذرائع إلى أن تراكمت مشاكلها ، وازدادت أزماتها. ولذا، فإن عليها ألاّ تقع في نفس الخطأ مرةً أخرى تحت تأثير اعتقاد واهم، بأن التراجع النسبي في الاهتمام العالمي بتطور الديمقراطية فيها سيعيد الأمور إلى ما كانت عليه سابقاً من جمود. والخطأ كل الخطأ ، في تقديري ، أن يُرهن تقدم المنطقة نحو الديمقراطية أو التراجع عنها بما يأتي من الخارج من رسائل أو بقدر ما يبديه من اهتمام بشؤونها أو بما يمارسه عليها من ضغوط. فهذا تصور قاصر يغفل الإرادة الحرة للشعوب وحقها في أن تعيش حياةً سياسية سليمة تُحترم فيها الحريات ويتمتع فيها الجميع بكافة الحقوق وفي مقدمتها حق المشاركة في الشأن العام.

السيدات والسادة ،

      إن أية مراجعة لمسيرة الديمقراطية في منطقتنا عليها أن تدرس الأسباب التي أدت إلى ما تعرضت له من بطء وتأخير. وأود أن أفند أولاً أية دعوة تـحـــاول أن تعزو ذلك إلى ثقافـــة المنطقــــة المبنية على تعاليم الإسلام ، تلك التعاليم السمحاء التي أمرت أتباعها بالعفو وحثتهم على التسامح وألزمتهم بالشورى وإبداء النصح وشددت على قدسية حقوق الإنسان. وهي مبادئ نعلم جميعاً أنها تدخل في صلب العمل الديمقراطي. كذلك ، فإن البعض في الغرب وإن فترت همته أو حتى تخلى عن دعم المشروع الديمقراطي في المنطقة ، إلا أن ذلك لن يثني شعوبها عن ذلك المشروع ، ولن يكون عامل إحباط لحقها في المشاركة الشعبية ، لأن الشعوب هي المسؤولة أولاً وأخيراً عن مصائرها. وعلينا هنا ألا ننسى أن في منطقتنا من دفع ثمنا باهظاً من أجل تحقيق الإصلاح السياسي والاجتماعي وقدم ما لديه من غال ونفيس قبل أن يبدي الخارج اهتمامه بتلك المسألة بزمن طويل. لذا، فإن من الغبن أن يتصور أحد أن الإصلاح لا يتحرك إلا بتأثير من الخارج. وما حدث في موريتانيا مؤخراً لدليل واضح على ذلك. وأود أن أغتنم هذه المناسبة لأتوجه إلى الأخوة الموريتانيين بالتهنئة على نجاح المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية في نقل السلطة بأسلوب ديمقراطي إلى حكومة مدنية عبر انتخابات حرة احترمت إرادة الشعب وحقه في المشاركة 0 إن السبب الرئيس للقصور الديموقراطي في اعتقادي ، أيها السيدات والسادة، يرجع إلى غياب الفهم الصحيح للإصلاح ، الذي يتعين أن يكون شاملاً وعميقاً ، وليس متجزأً أو متقطعاً. فمن غير الممكن أن يكون هناك إصلاح اقتصادي بدون إصلاح سياسي، كما أن أي إصلاح سياسي لا بد أن يدعمه ويؤطره إصلاح اجتماعي. فالإصلاح، من وجهة نظري ، ليس قائمة اختيارات يمكن الانتقاء من بينها أو مجموعة موضوعات يقبل بعضها الحذف أو التأجيل. فبقدر نجاح الإصلاح الاجتماعي يكون نجاح الإصلاح السياسي ، لأن الديمقراطية شأن أي ممارسة سياسية تعتمد على حالة المجتمع وأسلوب التعامل بين أفراده . فما لم تكن العلاقات الاجتماعية بين الناس قائمة على التسامح والإيمان بالحرية والقبول بالتنوع والحق في الاختلاف ، لا يمكن للديمقراطية أن تتطور أو للإصلاح أن يكتمل. وقد أولت تجربة الإصلاح في قطر اهتماماً كبيراً بتطوير نظامنا الاجتماعي وفق رؤية توفق بين قيمنا الدينية والوطنية الأصيلة ، وما تقتضيه روح العصر وضروراته. وركزنا بشكل خاص على التعليم باعتباره وسيلة فعالة للتنشئة الاجتماعية السليمة التي تفسح المجال للتفكير الخلاّق ، وتجعل من الحوار والعمل الجماعي والمشاركة في المسؤولية سبيلاً لا غنى عنها في صنع القرار. وإذا كان ترسيخ هذا النظام الاجتماعي الجديد يحتاج إلى الجهد والوقت إلا أنه شرط لازم كي تؤتي عملية الإصلاح السياسي ثمارها. وإننا في قطر لنعتز وبلدنا يستعد لإجراء أول انتخابات تشريعية ، سوف تجري في ظل نظام اجتماعي واع بقيمة المشاركة وفائدتها لحاضر الوطن ومستقبله.

السيدات والسادة ،

      إذا كانت منطقتنا تعيش مرحلةً انتقالية بطيئة نحو الديمقراطية ، فإنها تمر على النقيض من ذلك بمرحلة أخرى سريعة تتزايد فيها التهديدات والمخاطر. ولا بد من التنبيه هنا إلى طبيعة النسيج البشــري في منطقتنا التي تعد واحدة من أثرى مناطق العالم بتكويناتها الثقافية والدينية و العرقية والمذهبية، وهو ما يدعو باستمرار إلى تعاون الجميع من أجل سد الباب أمام كل أشكال الفتن. ونشدد في هذا الصدد على أهمية عودة الأمن والاستقرار إلى العراق الذي يؤثر ما يمر به من أحداث على سلامة الدائرة الإقليمية الأوسع من حوله. ونؤكد على أن معالجة مشكلاته يجب أن تبقى في يــد العراقيين وحدهــــم، ونأمل أن يتمكنوا قريباً من إعادة بناء وطنهم على أساس المساواة في المواطنة في ظل نظام ديمقراطي يضمن أمنهم ويحفظ للعراق وحدته وسلامته. ولا بد أيضاً من التحذير من مغبة أية خطوة متعجلة قد تؤدي إلى إشعال صراع جديد في المنطقة هي باليقين في غنى تـــام عنه. وبقدر ما نعلـــم مـــــا لمسألة البرنامج النووي الإيراني من حساسية، فإننا نؤمن بأن حلها بالطرق السلمية يبقى هو الأسلوب الأمثل. ولهذا، أرى أن مصلحة كافة الأطراف تحتم التزام العمل الدبلوماسي لتسوية تلك المسألة بالشكل الذي تنتصر فيه الرغبة في السلام على الاندفاع غير المبرر إلى المواجهة، من أجل بناء عالم يقوم على التعاون لا التباغض، ينشد التقارب بدلاً من بناء المحاور. ولا يفوتني كذلك أن أجدد تأكيدنا على أن بناء سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط يعيد الحقوق المغتصبة لأصحابها في فلسطين والجولان ومزارع شبعا أمر لا غنى عنه كي تتجاوز المنطقة واحدة من أصعب المحن التي تعرضت لها.

السيدات والسادة،

      لا يمكن أن تكتمل مراجعة مسيرة الديمقراطية في المنطقة وما تعرضت له في الآونة الأخيرة من تحديات بغير مراجعة حالة التنمية فيها. فالديمقراطية، كما تعلمون، تعمل بصورة أفضل إذا كانت تسندها تنمية شاملة. ومع أن الأرقام تشير إلى أن المنطقة شهدت زيادة لا بأس بها في معدلات التنمية خلال السنوات القليلة الماضية ، إلا أن التنمية لا تقاس فقط بالأرقام وإنما بمشاعر الناس وردود أفعالهم وما لديهم من طمأنينة تجاه يومهم وغدهم. وتلك مسألة تحتاج إلى مشروعات كبرى وأفكار اقتصادية خلاقة تُحشد من أجلها الموارد والطاقات الإقليمية والدولية، لأن تعزيز التنمية وزيادة نصيب المنطقة العربية في التجارة العالمية أساسان لا بد منهما من أجل بناء استقرار إقليمي شامل يدعم الأمن العالمي ويقويه. وقبل أن أختتم كلمتي لابد لي من التأكيد على أن مسيرة المنطقة نحو الديمقراطية والتنمية ودخول عصر التجارة الحرة وإن تباطأت أحياناً، إلا أنها ستمضي وتكتمل لأنها تسترشد برغبة الإنسان الفطرية في الحرية وسعيه من أجل التقدم والرقي. ولن يخرج الإنسان العربي عن المسار الذي سلكه كل من بلغ الحرية ، كما أن تطلعاته الاقتصادية المشروعة لغد أفضل ليست بضرب من الخيال. وفي نفس الوقت يجب التشديد على أن تقطع المنطقة تلك المسيرة بنفسها ، وأن يقف العالم إلى جانبها في تلك المهمة كي تُنجزها بكل كفاءة. وإنني آمل ، أيها السيدات والسادة، أن يواصل منتداكم دوره في دعم تلك المهمة ، لأن من مصلحة العالم بأسره أن يقف إلى جانب تطور الديمقراطية ونجاح التنمية في الشرق الأوسط ، تماماً كما تشارك هذه المنطقة بمواردها ومقوماتها في التنمية والرخاء الدوليين.

      أشكركم وأتمنى لمنتداكم التوفيق ،

      أوالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،