بسم الله الرحمن الرحيم
سعادة الرئيس جوزيف بوريل فونتيل،
السيدات والسادة أعضاء البرلمان الأوروبي ،
الحضور الكرام ،
أود في البداية أن أتوجه لكم بالشكر على دعوتكم الكريمة لمخاطبة برلمانكم
، الذي يتوج مشاركة ما يزيد على أربعمائة وخمسين مليون أوروبي في دعم واحدة من أكثر تجارب التكامل الإقليمي نجاحاً في العالم بأسره ، كما أقدر لكم حفاوة الاستقبال ومشاعر الصداقة التي أحطتمونا بها .
السيد الرئيس ،
السيدات والسادة ،
لا يملك من يتحدث إلى البرلمان الأوروبي إلا أن يعرب عن إعجابـــه بالعمل الدؤوب الذي تم في القارة الأوروبية عبر عدة عقود ، تمكنت خلالها دولكم بعقلانية وإرادة من
طي صفحات مؤلمة
من الماضي لتفتح صفحات أخرى واعدة تضمنت صوراً عديدة من النجاح. إن الاتحاد الأوروبي بما يتمتع به اليوم من مكانة دولية رفيعة يمثل نموذجاً تحاول مناطق أخرى في العالم أن تستلهم منه وتنقل عنه .
ولدينا في العالم العربي تجربة الجامعة العربية التي نأمل أن تصل إلى ما وصلتم إليه . وأود هنا أن أؤكد على أن الديمقراطية ليست
ضرورة لكل دولة فحسب ، وإنما هي شرط لا غنى عنه لنجاح التكامل الإقليمي واستقرار العلاقات الدولية في أية منطقة ، لأنها تحول دون انفراد دولة ما بتقرير ما يجب أن تشارك فيه كل الدول وكل الشعوب .
السيد الرئيس ،
السادة النواب ،
لقد انتهجت دولة قطر ، كما تعلمون ، الخيار الديمقراطي سبيلاً لحماية حقوق الإنسان وتحقيق المشاركة الشعبية . ويأتي توجهها إلى الديمقراطية
متفقاً مع ممارستنا لمبدأ الشورى الملزم، الذي أقره الإسلام قاعدةً رئيسة لا حيدة عنها من أجل أن تتسع المشاركة فلا تنحصر في فئة محدودة، وإنما تمتد لتشمل الجميع، ولا تُمارس انتقائياً فيسمح بها حيناً ولا
يسمح بها أحياناً أخرى، وإنما تتأكد كحق لا يجوز تجاهله أو الانتقاص منه. وإذا كان الواقع في منطقتنا يكشف أحياناً عن ما يخالف ذلك فليس مرده إلى قصور في مبدأ الشورى وإنما إلى طريقة فهمه وممارسته.
وكما أن الإسلام يحث أهله على المشاركة في الشأن العام، فإنه يحضهم كذلك على احترام الأقليات وحماية حقوقها، ويدعوهم باستمرار إلى الاطلاع على ثقافات العالم والتفاعل معها والأخذ منها والإضافة
إليها. وهي حقيقة أسعدني معرفة كثير من أصدقائي الأوروبيين بها، وإلمامهم بصفحات من تاريخ جيرانهم إلى الجنوب ، تؤكد على التسامح والرغبة في التلاقي الخلاق بين الحضارات . وأشير إلى أن العرب
كانوا الجسر الذي عبرت عليه الحضارة الإغريقية إلى أوروبا عن طريق ترجمة أهم الأعمال الفكرية لكبار فلاسفة اليونان ومفكريها إلى اللغة العربية ومن ثم انتقلت منها إلى الفكر الأوروبي الذي أطلق عصر النهضة .
إن شعوباً كثيرة عرفت الإسلام واعتنقته بكامل قناعتها ورضاها، عن طريق التعامل
مع المسلمين والتواصل الثقافـــــي معهم ، فالإســــلام انتشر بالحوار وازدهر بالاقتناع ، ولم يُفرض بالقوة يوماً على أحد . وإن كان هناك من يقول غير ذلك ، فقد جانب الصواب وأخطأ بحق الإسلام وجنى عليه .
ومن الضرورة هنا ، أيها السيدات والسادة ،
التأكيد على استمرار الحوار بين أتباع الأديان ، وعلى بذل الجهد من أجل تواصله حتى نتفادى صراعاً مفتعلاً لا جدوى منه ، يدعو إليه للأسف أفراد وجماعات من الشرق والغرب على حدّ سواء ضلّوا سبيل
الرشاد وخاصموا عن جهالة من يخالفهم الرأي أو العقيدة ، وعادوا من يختلف عنهم في الجنس أو اللون ، ولم يجدوا في تنوع هذا العالم واختلاف ألسنة البشر وأعراقهم مصدر إثراء ، ودعوة إلى التواصل والتقارب .
إنني أنتهز هذه المناسبة لأناشد أهل التعقل والحكمة والنزاهة في الشرق والغرب معاً التصدي لدعوات التفرقة
والتعصب التي تهدد السلام والوئام بين البشر ، والدعوة إلى احترام الأديان والمقدسات وعدم التطاول عليها . ولا يقل عن ذلك أهمية العمل معاً من أجل معالجة التشويه الذي يحدثه المغرضون والجاهلون والمتطرفون في
الصور التي يكونها كل طرف عن الآخر ، وإن دولة قطر لتبذل من جانبها جهوداً متواصلة من أجل هذه الغاية ، وتستضيف عديداً من المنتديات بهدف تشجيع الحوار بين الحضارات، من بينها منتدى سنوي للحوار بين الأديان . .
السيدات والسادة ،
إن قضايا الشرق الأوسط تظل دائماً على جانب كبير من الأهمية بالنسبة لأوروبا ، لأن المنطقتين في حالة تماس جغرافي مباشر وتواصل سياسي واقتصادي وثقافي لم ينقطع عبر التاريخ.
وهذا التماس هو ما يجعل لأوروبا مصلحة مؤكدة في دعم الإصلاح الشامل في دول الشرق الأوسط، وتشجيعها على المضي فيه بجدية لا تعرف الالتفاف أو المواربة، ولا تقبل التحايل على الديمقراطية
فتكتفي منها كما يحدث أحياناً بالشكل دون المضمون. فالإصلاح الشامل والديمقراطية الحقيقية هما السبيل إلى شرق أوسط أفضل تعرف دوله الاستقرار، وتتمتع شعوبه بالحرية، تقوى فيه المؤسسات،
وتنهض دوله على أساس من احترام القانون. شرق أوسط يمتلك أبناؤه المقومات والوسائل الضرورية الاقتصادية والعلمية التي تؤهلهم للتعامل بندية مع جيرانهم وكل العالم مشاركين معهم لا بعيدين عنهم.
وفي هذا الصدد فإننا نعرف، وتعرف أوروبا ربما أكثر أن الهجرة القادمة إليها من الشرق الأوسط أو عبره باتت تمثل تحد كبير أمامها. ومع أن أوروبا تعمل جاهدة منذ سنوات من أجل معالجة
ذلك التحدي، إلا أن الحلول الناجحة تحتاج دائماً، كما تعرفون، إلى العودة إلى جذور المشكلة والتعامل مع مسبباتها وليس الاكتفاء بالوقوف عند أعراضها. لهذا فإنه متى ما نجح الإصلاح واستقرت ثقافة
الديمقراطية في الشرق الأوسط وتمكنت شعوبه من محاربة الفساد بكل صوره، فإن كثيرين ممن كانوا يبحثون عن الحرية وعن حياة كريمة خارج أوطانهم لن يهاجروا منها طالما وجدوا فيها ما يتطلعون إليه.
السيدات والسادة ،
إن تعزيز الديمقراطية وتحقيق السلام في الشرق الأوسط هدفان
لا يقل الواحد منهما أهمية عن الآخر. فغياب الديمقراطية وعدم التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية أنتجا أشكالاً مختلفة من العنف اعتبرها البعض إرهاباً ينبغي مكافحته
بأشد الوسائل قسوة ، دون التفرقة بين شكل وآخر ، أو الاهتمام بالعمل على إزالة الأسباب التي تغذيها . ونحن إذ ندين كل أشكال الإرهاب ونعمل مع الأسرة الدولية على التصدي لها ، فإننا
نحرص كل الحرص على التمييز بين ما هو ترويع غير مبرر للآمنين يجب رفضه تحت أية ذريعة من الذرائع، وما هو حق مشروع في مقاومة الاحتلال تسانده القوانين والأعراف الدولية .
إن غياب الحل العادل
للقضية الفلسطينية ، والمعاناة الهائلة التي يتحملها الشعب الفلسطيني الشقيق ، والتي فاقت كل حدود التصور ، هي السبب الحقيقي في تفاقم النزاعات في الشرق الأوسط وتعدد صورها . ولذا فإن على المجتمع
الدولي أن يعطي أولوية قصوى للتوصل إلى حل عادل لتلك القضية وفق قواعد الشرعية الدولية ، إذ لم تعد الحلول المؤقتة أو التسويات الجزئية كافية أو مقبولة إذا أريد لهذه المنطقة أن تنعم بالأمن والاستقرار .
وفي اعتقادنا أن حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً يجب أن يستند إلى تنفيذ إسرائيل والجانب الفلسطيني معاً للقرارات الدولية كاملةً، بمساعدة المجتمع الدولي للطرفين على تجنب التعقيد الذي وصلت إليه العلاقة
بينهما في الآونة الأخيرة. وقد كان من الواجب أن تمنح الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حركة حماس بناء على الإرادة الحرة للشعب الفلسطيني قبل شهور فرصة العمل من أجل الشعب الذي اختارها.
وبدلاً من مكافأة الشعب الفلسطيني على ممارسة ديمقراطية قلما نشهد لها مثيلاً في منطقتنا ، تمت معاقبته عليها. وأنا لا أفهم كيف يُفرض حصار على حكومة
منتخبة ديمقراطياً، وتُفرض على شعب بأكمله عقوبات جماعية لمجرد أنه مارس حقه الديمقراطي في اختيار من يحكمه. أليست ازدواجية في المعايير أن يُطالب بالديمقراطية ثم يُعترض على نتائجها؟
إن تسوية القضية الفلسطينية يرتبط باستعداد إسرائيل للقيام بواجباتها كاملة بتطبيق القرارات الدولية القاضية بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس
الشريف، والوقف الفوري لتدمير البنية التحتية الفلسطينية وأعمال القتل والتنكيل بالمدنيين التي سقط بسببها عشرات الأبرياء في الأراضي الفلسطينية المحتلة وآخرها تلك المجزرة التي وقعت في بيت حانــون .
هذا هو المنفذ لخروج
القضية الفلسطينية من الطريق المسدود الذي وصلت إليه، ونرى أن على المجتمع الدولي أن يعمل بمزيد من الدأب على التوصل السريع إلى هذا الحل لأنه لا يفيد الشرق الأوسط وحده وإنما العالم بأسره .
السيدات والسادة ،
إن الحاجة إلى إيجاد تسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي أكدتها تلك الحرب المدمرة التي شنتها إسرائيل مؤخراً على لبنان .
والآن وبعد أن توقف القتال وبدأت قوات اليونفيل، التي قررت قطر المشاركة فيها، في مزاولة مهامها، فإننا نأمل أن يتمكن لبنان من بسط سيادته على كامل أراضيه وأن تلتزم إسرائيل باحترام تلك السيادة .
أما بشأن العراق ، فإننا نرجو أن يخرج من محنته وأن يحافظ على سيادته ووحدة أراضيه ، وأن يستعيد
الشعب العراقي أمنه وحريته. وأثق أن باستطاعة الإتحاد الأوروبي الذي يقدر ما للوضع في العراق من خطورة على الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط وما وراءه، أن يضاعف جهوده لمساعدة العراق على
تجاوز تلك المحنة الخطيرة التي يمر بها. كما أن الاستقرار في الشرق الأوسط يتطلب من الاتحاد الأوروبي مواصلة جهوده من أجل التوصل إلى حل سلمي لمسألة البرنامج النووي الإيراني ، يؤكد اقتصاره
على الأغراض السلمية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، وهنا نكرر الدعوة إلى جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية وحمل إسرائيل على الانضمام إلى اتفاقية منع انتشار تلك الأسلحة .
السيدات والسادة ،
لا يفوتني قبل أن أختتم كلمتي أن أنوه بمتانة علاقات التعاون القائمة بين دول الاتحاد الأوروبي ودولة قطر بوجه خاص ، وبين الاتحاد ومجلس التعاون لدول الخليج العربية بوجه عام ، وقد
حرصت دولة قطر منذ أن وقعت عام 1989 اتفاقية التعاون بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والجماعة الاقتصادية الأوروبية في ذلك الوقت على تطوير علاقاتها مع الدول الأوروبية في مختلف المجالات .
ففي مجال الطاقة وحده ، أبرمت قطر عقوداً مع عدد من دول الاتحاد الأوروبي ، من بينها إيطاليا وبلجيكا وبريطانيا وأسبانيا ، لتزويدها بما
تحتاجه من الغاز الطبيعي وفي هذا المجال الحيوي إلى جانب المجالات الأخرى الثقافية والسياسية والاقتصادية ، تستطيع دولة قطر ودول الاتحاد الأوروبي تعزيز ما بينها من روابط وتطوير ما يجمعها من صلات .
أشكركم مرة أخرى ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .