بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب السعادة ،
ضيوف قطر الكرام ،
السيدات والسادة،
أرحب بكم في الدوحة في هذا المنتدى الذي يتيح فرصةً طيبة للنظر فيما آلت إليه
العلاقة بين حرية التبادل التجاري والتنمية وتطور الممارسة الديمقراطية ، التي ازدادت وضوحاً واكتسبت زخماً قوياً بعد نهاية الحرب الباردة .
إن الديمقراطية والتنمية والتجارة الحرة تكمل بعضها بعضاً ولا يمكن تطبيق إحداها بمعزل عن الأخرى، فالديمقراطية ، وخاصة في البلدان النامية ، لن تتحقق بدون
تنمية فاعلة في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية . والحرية السياسية لا معنى لها في مجتمع يسوده الفقر ، وتعاني شريحة كبيرة فيه من الجهل
والمرض والبطالة. وبالمقابل ، فإن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق ما لم يسمح للفرد بالمشاركة في اتخاذ القرار وحماية مصالحه الاقتصادية.
والأمر نفسه بالنسبة للتجارة الحرة ، لأن الآثار الإيجابية المرجوة منها لصالح التنمية ترتبط بوجود نظام دولي يكفل الفرص لجميع دول
وشعوب العالم على نحو يساعد في تضييق الفجوة الاقتصادية القائمة بينها . ولتحقيق الفوائد المنشودة من الديمقراطية والتنمية والتجارة الحرة
وترسيخ النظام العالمي الجديد ، فان هناك ضرورة ملحة لإجراء إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي شامل في الدول النامية يساعدها على الإسراع
في التنمية التي تعود بالنفع على جميع فئات الشعب. كما أن هناك ضرورة لتفهم الدول المتقدمة لمشكلات الدول النامية وترجمة ذلك عملياً في الاتفاقيات
التي تعقد في إطار منظمة التجارة العالمية ، لإعانة تلك الدول على تطوير قدراتها الذاتية كي تتمكن من المنافسة التي يتطلبها النظام العالمي الجديد .
وإذا كانت منطقتنا لم تواكب مبكراً التحول نحو نظام السوق
والديمقراطية، إلا أن لها تجربة قديمة رائدة ارتبط فيها التبادل التجاري بالانفتاح الثقافي والتسامح الديني بالازدهار الاقتصادي في مناخ من السلم والاستقرار.
لقد كانت مياه المحيط الهندي وبحر العرب والخليج والبحر المتوسط طيلة عدة قرون بمثابة بحيرات سلام وتعاون ومناطق مفتوحة أمام التبادل التجاري
والثقافي بين الحضارات الإسلامية والأوروبية والصينية والهندية. ولم يكن التبادل في تجربة هذه المنطقة من العالم مجرد حرفة بل ثقافة متكاملة، حملت
معنى الاعتراف بالآخر، وعكست الثقة بالنفس والرغبة في التعايش والقبول بالتنوع والاختلاف، وهي من القيم الإنسانية الأساسية في المجتمعات الديمقراطية.
السيدات والسادة ،
تشهد منطقتنا طيلة السنوات الخمس الماضية جدلاً حول موضوع الديمقراطية، نجم عنه ردود فعل متباينة بين القبول والرفض وبين الحماسة والفتور. وهو جدل
قد بدأ ومن الضروري أن يستمر إلى أن تصل رسالة الإصلاح إلى غايتها فينال أبناء هذه المنطقة نصيبهم المستحق من الحريتين السياسية والاقتصادية.
إن نجاح الديمقراطية في هذه المنطقة ليس في
مصلحتها وحدها، وإنما سيكون لـه تأثير استراتيجي ملموس في دائرة جغرافية واسعة تمتد منها إلى الشرق وإلى الغرب. فتعزيز الأمن في مناطق ليست
بعيدة عنا وخفض معدلات الهجرة الشرعية وغير الشرعية إليها إنما تؤثر فيه مسيرة الديمقراطية في منطقتنا، لأن نجاح المشروع الديمقراطي أمر
أساسي لعلاج مظاهر الطغيان والفساد التي لا زالت تلتهم خيرات الشعوب وتحرمها من حقوقها وتدفع بعض أبنائها إلى التطرف والاغتراب. ولا يقل
عن ذلك أهمية، أيها السيدات والسادة، دور الإعلام الحر وتشجيع المؤسسات القائمة عليه لأنها تسهم في تصحيح المسيرة والممارسة الديمقراطية.
الحضور الكرام ،
إن التحديات التي تواجه التحول الديمقراطي في منطقتنا لم تحل
مؤخراً دون ميلاد تجربة فريدة في الممارسة الديمقراطية تستحق كل الثناء والاحترام. فقد أصر الشعب الفلسطيني برغم المعاناة التي يعيشها تحت قبضة الاحتلال
على ممارسة حقه المشروع في اختيار حكومته، كما حرصت سلطته الوطنية على توفير الضمانات التي تكفل لشعبها ممارسة هذا الحق الأصيل. فكان أن جرت
انتخابات برلمانية شهد بشفافيتها ونزاهتها كل من تابعها بما في ذلك من لم يستطع حتى الآن التعايش مع نتائجها والقبول بما ارتأته إرادة الشعب الفلسطيني.
إن الطريقة المتحضرة التي تعاملت بها القوى السياسية الفلسطينية مع نتائج تلك الانتخابات عبرت عن الالتزام بما تحدده
الإرادة الجماعية والقبول بالخيارات الحرة للمواطنين. وهو ما يدعو أنصار الديمقراطيـــــة في العالم بأسره إلى احترام قرار الشعب الفلسطيني. ومن
الواجب دعم هذه التجربة العربية الهامة وتشجيعها بدلاً من الضغط عليها أو التدخل في حق أصحابها في اختيار قياداتهم أو التهديد بقطع المعونات عنهم.
إن تحدى خيارات الشعوب لن يؤدي إلا إلى تأجيج مشاعر
اليأس وتوليد موجات الغضب، فضلاً عن أن الوقوف ضد الإرادة الشعبية يناقض روح الخيار الديمقراطي الداعي إلى الامتثال لما تقرره الأغلبية.
السيدات والسادة ،
إن بناء الأمن الإقليمي لا يمكن أن يكتمل ما لم تتقدم الممارسة الديمقراطية، لأن الأمن ليس مجرد ترتيبات عسكرية تتفق عليها الدول، وإنما تلزمه إجراءات سياسية
داخلية تمكن المواطن من المشاركة في شؤون وطنه وتحمل مسؤولياته. فالمواطن المشارك مواطن آمن لأنه يعرف ما لـه وما عليه. والمواطن الآمن هو الذي
يبني الوطن الآمن. والوطن الآمن بدوره هو الذي يرسي دعائم نظام إقليمي ينعم بالأمن ويتمتع بالاستقرار. ولهذا فإن الأمن المنشود لا يكتمل إلا بتقدم الديمقراطية.
وقد حرصت قطر ضمن هذه القناعة على مساندة الجهود المبذولة لمساعدة
المنطقة على تطوير وإصلاح شؤونها، فتبرعت مؤخراً لصندوق الديمقراطية التابع للأمم المتحدة بمبلغ عشرة ملايين دولار. كما قدمت دعماً مماثلاً وعبرت عن كامل
استعدادها لاستضافة مقر مؤسسة المستقبل المعنية بتشجيع الممارسة الديمقراطية وجهود الإصلاح في المنطقة وتحمل كل ما يرتبط بذلك من مسؤوليات والتزامات .
السيدات والسادة ،
إن هذه المنطقة في حاجة ملحة لأن تستكمل مشروعاً كبيراً انطلقت من أجله وعليها أن تمضي فيه وألاّ تحيد عنه من أجل مصلحتها ومصلحة العالم أيضاً. وهو مشروع
تأتي الديمقراطية في مقدمته ليس فقط باعتبارها آلية لاتخاذ القرار وإنما كأسلوب حياة يدخل في صميم تطلعات شعوبها إلى التنمية والتطوير وصنع مستقبل
أفضل كان من المفترض أن تصل إليه قبل عدة عقود، ولكنها تبذل اليوم جهداً أكبر من أجل بلوغه، ومن حقها أن تنال من الدعم والتأييد الدوليين ما يعين رسالة
الإصلاح على بلوغ مراميها. وعليكم أن تتذكروا، أيها الجمع الكريم، أن منطقتنا لم تشك من قبل من كثرة من ساعدوها على الوصول إلى الديمقراطية بل من قلتهم.
أشكر لكم حضوركم ومشاركتكم وأتمنى لمنتداكم التوفيق .
شكراً،،،