بسم الله الرحمن الرحيم

 

بسم الله العلي القدير أعلن افتتاح الدور الرابع والثلاثين لأعمال مجلس الشورى ،

الأخوة أعضاء مجلس الشورى ،

      يسعدني أن التقي بكم اليوم في مجلسكم الموقر لنشهد معاً بداية فصل تشريعي جديد ، نثق أنـــــه سيكون كما عودتمونا دائماً ثرياً بعطائكم ، حافلاً بإسهاماتكم القيّمة في مسيرة العمل الوطني .

      كما أن لقاءنا هذا العام يأتي في بداية مرحلة جديدة تعد علامة فارقة في تاريخ وطننا ، هي العمل بالدستور الدائم للبلاد .

حضرات الأخوة ،

      لقد توج العمل بالدستور الدائم مرحلة استكمال وضع الأطر التشريعية والتنظيمية لدولة المؤسسات والقانون ، التي تقوم على الفصل بين السلطات مع تكاملها ، كما أن دستورنا الدائم حدد المقومات الأساسية للمجتمع ، فأقام توازناً دقيقاً بين الحقوق والواجبات العامة ، وعزز المشاركة الشعبية ، وأرسى أسس النشاط الاقتصادي من منطلق احترام الملكية الفردية ، وحرية النشاط الاقتصادي ، والتعاون المتوازن بين النشاط العام والخاص لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، كما أكد مبدأ الرقابة القضائية على دستورية القوانين ومشروعية العمل الإداري .

      لقد انتهت أو تكاد ، مرحلة البناء المؤسسي والتشريعي لتضعنا أمام تحدٍ حقيقي أكثر صعوبة ، تختبر فيه إرادتنا وتمتحن فيه قدراتنا على وضع ما ارتضيناه لأنفسنا موضع التنفيذ الفعلي السليم ، الذي يحقق الغايات المستهدفة في التنمية والتقدم والرخاء .

      وفي هذا السياق فإننا ندرك تماماً أن القوانين ، وإن كانت أداة لا غنىً عنها لوضع الأطر اللازمة للنشاط الإنساني ، سياسيةً كانت أم اجتماعيةً أم اقتصاديةً ، إلا أنها بذاتها لا تصنع المعجزات ، بل تصنعها إرادة الشعوب ، وما تملكه من عزم وتصميم على إعلاء شأنها ، وتبوء المكانة اللائقة بها بالعمل الدؤوب والإدراك المستنير ، ليس لحقوقها فحسب ، بل ولواجباتها تجاه أوطانها .

      ومن هنا فإن أولوياتنا في المرحلة القادمة يجب أن تتجه إلى العمل التنفيذي الخلاق ، والارتقاء بأساليب الإدارة والعمل ، في أجهزة الدولة ، وأنشطتها كافة ، باعتباره مطلباً أساسياً لدفع جهود التنمية ، ورفع كفاءة المرافق العامة ، وضبط نوعية وكلفة ما تقدمه من خدمات .

      ولهذا الغرض فقد اتجهت الدولة في الآونة الأخيرة إلى تحرير بعض القطاعات والمرافق الهامة من قيود وأنظمة العمل الحكومي ، وأساليب الإدارة الحكومية ، سواءً عن طريق تحويل الأجهزة الحكومية إلى هيئات أو مؤسسات عامة تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية ، وتعتمد أساليب إدارية أكثر ديناميكية ، أو بإنشاء مناطق حرة ومراكز مالية ذات أنظمة تتوافق مع المعايير العالمية .

      وسيكون أداؤنا التنفيذي محل تقييمنا المستمر وذلك لتطويره إلى الأفضل ، وإيجاد الحلول المناسبة لما قد يواجه التطبيق الفعلي من عقبات ، وسيكون سبيلنا في ذلك التقييم أنه بقدر المسئولية تكون المساءلة ، وأن النتائج الفعلية والملموسة هي المقياس الحقيقي لتقييم كفاءة الأداء .

حضرات الأخوة ،

      إلا أنني أبادر إلى القول بأن الأمر لا يتعلق فقط بأنشطة الدولة والأجهزة الحكومية ، فالقطاع الخاص هو الرافد الثاني للتنمية ، والذي نحرص على أن يكون فاعلاً أساساً في تحقيقها ، وهو ما أكده الدستور الدائم عندما جعل التعاون المتوازن بين النشاط العام والنشاط الخاص أساساً لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وزيادة الإنتاج وتحقيق الرخاء للمواطنين وتوفير فرص العمل لهم ، ولذلك فإن على القطاع الخاص واجبات أساسية ، كفلت له الدولة سبل أدائها بما أصدرته من تشريعات ، وما تبنته من سياسات .

      ولا ريب في أننا نلمس نتائج طيبة في بعض أوجه النشاط الاقتصادي ، خاصة في قطاع الإنشاءات العقارية من مساكن وفنادق ومبان إدارية وغيرها ، إلا أنني أدعو القطاع الخاص إلى إعطاء قدر أكبر من الاهتمام لأوجه النشاط الأخرى كافة ، كما أدعو البنوك والمؤسسات المالية إلى أن تعمل على خلق فرص استثمارية ، وأوعية ادخارية تستوعب مدخرات المواطنين وفوائض التنمية ، إذ أنه في غياب مثل هذه الأوعية يتعاظم الإنفاق الاستهلاكي ، عوضاً عن الادخار النافع ، مع ما لذلك من آثار سلبية على معدلات النمو الاقتصادي .

      علينا أن نقتنع بأن الاقتصاد الحر الذي تبناه الدستور الدائم طريقاً لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، ليس فقط قواعد توضع وآليات تطبق ، بل إنه ثقافة متكاملة تقوم على قيم الاعتماد على النفس ، والمنافسة المتكافئة وإعلاء شأن العمل ، والادخار ، والشفافية ، والمساهمة الحقيقية في الناتج القومي ، وغيرها ، ويتعين علينا أن نعمل جميعاً على ترسيخ هذه الثقافة في مجتمعنا وممارساتنا الاقتصادية لنوفر لاقتصادنا الوطني كل مقومات النجاح والنمو والقدرة على المنافسة ، وفقاً للمعايير الدولية التي سيتعين على الدول كافة الالتزام بها في المستقبل القريب .

الأخوة أعضاء مجلس الشورى ،

      لقد شهد اقتصادنا الوطني طفرة تدعو إلى الارتياح والتفاؤل . فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 29.5 مليار ريال في عام 1995 إلى ما يقرب من 103.5 مليار ريال في عام 2004 محققاً بذلك معدل نمو سنوي يزيد على 13% خلال السنوات العشر الماضية . وقد تجاوز معدل النمو في سنة 2004 وحدها الـ20% ويتوقع أن يتجاوز هذا الرقم في سنــــة 2005 إنشاء الله . وقد صاحب هذا النمو مؤشرات كلية إيجابية في كل من الميزان التجاري وميزان المدفوعات والميزانية العامة ، خاصة في السنوات الأخيرة . وكان المؤشر الوحيد الذي حقق نتائج سلبية هو معدل التضخم الذي ارتفع في عامي 2004و2005 بشكل ملحوظ عما كان عليه في السابق ، وبالرغم من أن هذا الارتفاع لا يعد كبيراً جداً بالمقاييس العالمية ، خاصة في الدول النامية ، إلا أن زيادته المفاجئة وتركزه في قطاع واحد يدعو إلى القلق وضرورة المتابعة .

      وأدعو مجلسكم الموقر إلى دراسة هذه الظاهرة بمختلف جوانبها وتقديم اقتراحات كفيلة بتجاوز كافة تبعاتها .

الأخوة أعضاء مجلس الشورى ،

      لقد تحققت الإنجازات الاقتصادية المتقدمة لأسباب عدة ، أهمها الاستراتيجيات السليمة التي تبنتها الدولة لتطوير إنتاج النفط ، والاستغلال الأمثل لثروة البلاد الطبيعية من الغاز ، وما تبنته من سياسات طموحة في إقامة مشروعات عملاقة في مجالات النفط والغاز والبتروكيماويات ، وهذا ما فرض ضرورة الارتقاء بكفاءة مواردنا البشرية إلى مستوى المعايير العالمية انسجاماً مع تلك المتطلبات.

      وفي مجال تهيئة المناخ المناسب للاستثمار ، تم تأسيس مركز قطر للمال ، وفقاً للمعايير القانونية والإدارية العالمية بهدف استقطاب وجذب البنوك والمؤسسات المالية العالمية لتنويع الاستثمار وتوفير مصادر التمويل الضرورية للمساهمة في التطور الاقتصادي .

      كما تم السماح للمستثمرين الأجانب بتملك نسبة تصل إلى 25% من الأسهم المتداولة في سوق الدوحة للأوراق المالية وبنسبة تصل إلى 100% من الأنشطة التي تباشر في مركز قطر للمال .

      كما صدرت مؤخراً التشريعات المتعلقة بهيئة قطر للأسواق المالية وشركة سوق الدوحة للأوراق المالية لتعزيز الثقة في نظام التعامل في هذه الأوراق وتوفير الضمانات لمالكيها ، بالإضافة إلى القوانين المتعلقة بالمناطق الحرة وحرية التجارة ، وكل هذا يتطلب كما أسلفت سابقاً التحلي بثقافة تقوم على المنافسة والشفافية والمحاسبة .

      من ناحية أخرى فقد لاقت أنشطة الدولة الأخرى كل ما تستحقه من عناية واهتمام في إطار خطة التنمية الشاملة ، ورفع مستوى الخدمات العامة ، وأخص بالذكر في هذا الصدد قطاعي التعليم والصحة العامة 0 فقد مضت خطتنا التعليمية ، التي أقرها المجلس الأعلى للتعليم ، في طريقها المرسوم بتطوير السياسة التعليمية بما يستجيب لمتطلبات المجتمع وحاجياته ، وباستقطاب مؤسسات التعليم ذات المستوى العالمي.

      وفيما يتعلق بالصحة العامة ، ذات الأهمية البالغة للدولة والمواطنين ، فقد ارتأينا أن نعهد بالمسئولية عنها إلى هيئة وطنية ، تكون هي السلطة العليا في مجال الرعاية الصحية في الدولة ، وتكون مسئولة عن وضع الاستراتيجية الوطنية للرعاية الصحية ، وعن الوصول بها إلى أعلى المستويات .

      وبالإضافة إلى ما تقدم فقد رصدت الدولة من خلال موازنتها العامة المبالغ اللازمة لتطوير البنية التحتية لتواكب التطورات الاقتصادية المتنامية . كما أنها وضعت استراتيجية لبناء احتياطيات ، وقد بدأت بالفعل في بناء احتياطيات متنوعة الأهداف من أجل تقليل اعتماد الموازنة العامة للدولة على إيرادات النفط والغاز ، وفي هذا الإطار تم إنشاء جهاز قطر للاستثمار .

      تلك هي أهم الملامح الرئيسية لما حققناه من إنجازات ، وسنواصل بذل كل ما نستطيع من جهد ، لتعزيز مسيرة التنمية الوطنية في كافة المجالات .

حضرات الأخوة ،

      وبموازاة مع الشأن الداخلي ، فإن سياستنا الخارجية ستظل ملتزمة بمبادئها الأساسية التي قوامها التعايش السلمي ، والتعاون الدولي ، على أساس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة ، والتمسك بقيم التسامح والعدالة ، والانفتاح على الشعوب والثقافات والحضارات والتفاعل معها ، والإيمان بضرورة احترام حقوق الإنسان ، والالتزام بتسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية .

      وحتى ننتقل بتوجهات سياستنا الخارجية من مستوى المبادئ إلى حقل الممارسة ، بادرنا إلى تنظيم مجموعة من المؤتمرات واللقاءات والتجمعات الدولية التي كان الغرض منها تكريس رؤية وثقافة الحوار والتفاهم من خلال دعوة الفرقاء من مختلف المشارب لدراسة عدد من المواضيع السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية التي من شأنها أن تشكل أرضية مثلى للتقارب والتفاهم الدوليين .

      وإيماناً منا في قطر بأهمية هذا التوجه كنا ولا زلنا ندعو دائماً إلى تعزيز مكانة ودور الأمم المتحدة في العلاقات الدولية باعتبارها تمثل الشرعية الدولية . ويأتي في مقدمة أولويات سياستنا الخارجية ، بطبيعة الحال ، تعزيز علاقاتنا مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الشقيقة ، ودعم مسيرة المجلس سعياً إلى تحقيق التكامل بين دوله ، وخاصة في المجال الاقتصادي ، تلبية لآمال وطموحات المواطن الخليجي في هذا الخصوص .

      من ناحية أخرى فقد رحبت دولة قطر بالحكومة السودانية الجديدة ، وبما اتخذته من خطوات لإنهاء الصراع في منطقة دارفور والعمل بصورة وثيقة مع المجتمع الدولي لإعادة سلطة القانون إلى هذه المنطقة .

      وأخيراً فإننا نعرب عن الأمل في أن تتواصل مسيرة السلام في الصومال الشقيق وأن تتمكن حكومته من ممارسة دورها الطبيعي بما يحقق له الأمن والاستقرار وسيادته على أرضه .

حضرات الأخوة أعضاء مجلس الشورى ،

      إننا نقدر لمجلسكم الموقر أنه ظل ، منذ إنشائه ، سنداً وعوناً للسلطة التنفيذية ، بالرأي المخلص ، والمشورة الصادقة ، وأنه رغم أن المدة التي مضت على إنشائه تعد قصيرة في عمر الدول والشعوب ، إلا أنه أرسى بممارساتـــــــه طوال تلك المدة ، قواعد للمشاركة الشعبية تقوم على الحوار الموضوعي البناء الذي لا يقصي رأياً ، ولا يضيق بوجهة نظر ، وإنما يعتمد المصلحة العامة ، وخير الوطن والمواطن غاية لأعماله.

      وفقكم الله ..

      والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،