بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الرئيس ،
السيد الأمين العام ،
أصحاب السعادة ،
السيدات والسادة ،
قبل خمس سنوات ، وفي هذه القاعة، تبنى رؤساء الدول والحكومات إعلان الألفية ، وكانت تلك لحظة تاريخية، التقى
فيها زعماء العالم عند منعطف القرن ، ليقدموا رؤيةً جديدة تتماشى والواقع المتغير، تستطيع أن تعزز نظام الأمم المتحدة ، وأن تعطي لـه قوة دفع جديدة.
واليوم ، فإننا نجتمع مجدداً لننظر في سبل تفعيل ما سبق وأن انتهينا إليه.
واسمحوا لي بهذه المناسبة، أن أتوجه للسيد جان إلياسون بالتهنئة على انتخابه لرئاسة الدورة الحالية للجمعية العامة متمنيا لسيادته، ولأعمال هذا الاجتماع رفيع المستوى
النجاح والتوفيق . كما أتوجه بالشكر إلى الرئيس المشارك السيد جان بينج على قيادته أعمال الدورة السابقة ، ومساهمته الطيبة في الأعمال التحضيرية لهذه القمة .
وأعبر كذلك عن تقديري لسعادة السيد كوفي أنان، الأمين العام
للأمم المتحدة، لما يتحمله من مسؤولية في إدارة المنظمة الدولية، كما أحييه على جهوده في إعداد تقريره الشامل عن تحقيق الأمن والتنمية وحقوق الإنسان للجميع .
السيد الرئيس ،
لقد حققت الأمم المتحدة إنجازات لا يستهان بها ، كما واجهتها صعوبات لا يمكن إغفالها. ومهما اختلفت وجهات نظرنا حول تقييم نتائج
الجهود التي تبذلها المنظمة الدولية، إلا أننا لا نختلف عليها، ولا على حاجتنا المستمرة لدعم أجهزتها كي يمكننا مواجهة التحديات التي تعترض مسيرة المجتمع الدولي .
وإننا لنتفق ، سيادة الرئيس، مع ما ورد في تقرير الفريق رفيع المستوى المعني بالتهديدات والتحديات والتغيير على أن ما سنواجهه خلال القرن الحادي والعشرين يدعونا إلى
صياغة مفهوم جديد للأمن الجماعي تتحدد بموجبه المسؤوليات، وترسم وفقاً لـه الاستراتيجيات، وتصاغ على أساسه أدوار المؤسسات، كي تكون أكثر فعالية وكفاءة .
كما نتفق مع مقترحات الأمين العام بشأن إعطاء التنمية
والأمن وحقوق الإنسان نصيباً متساوياً من الاهتمام باعتبارها المقاصد الثلاثة الكبرى لميثاق المنظمة، حيث لا يمكن تحقيق واحد منها دون تحقيق الآخرين .
وقد آن الأوان أن يحظى هدف التنمية بنصيبه المستحق، فلا يعالج على أنه أولوية ثانوية، بل يجب أن يوضع ،إلى جانب هدفي الأمن واحترام حقوق الإنسان، في مكان الصدارة،
لأن تحقيق الأمن، والحفاظ على حرمة حقوق الإنسان لن يتحققا في ظل الحرمان الذي تعيشه مناطق من العالم لا زالت تفتقر إلى الحد الأدنى اللائق للحياة الكريمة .
وليس من قبيل المصادفة أن الأقاليم الأشد فقرا هي التي تكابد أكثر الصراعات الإقليمية تعقيدا، وتتعرض فيها حقوق الإنسان للانتهاك
والتهديد. ولذا فإن قضايا الأمن وحقوق الإنسان ، وإن شكلت هواجس دولية لا يستهان بها، إلا أن التنمية أيضاً تعد هدفاً محورياً يجب أن نوليه أقصى درجات الاهتمام .
السيد الرئيس ،
إن دولة قطر تتفق مع نتائج قمة الألفية ،
وترى أن الغايات الإنمائية تعتبر أهدافاً رئيسية يتعين بلوغها من أجل التصدي للفقر المدقع ومعالجة تبعاته المؤلمة، ومن أجل تحقيق المساواة بين الجنسين ،
والارتقاء بالتعليم ، والمحافظة المستدامة على البيئة باعتبارها حقوقاً أساسية كما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وفي إعلان الأمم المتحدة للألفية .
ويتطلب الأمر من أجل تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية تهيئة الظروف
المواتية على الصعيدين الوطني والدولي حتى يتسنى تعبئة الموارد المالية اللازمة للوفاء بها. وفي هذا الصدد ، فإن خطة تنفيذ الإجراءات الرئيسية للتنمية، التي
تضمنتها نتائج مؤتمر جوهانسبرج ، تعد مرشداً رئيسياً لجهود تمويل التنمية، كما أن توافق آراء مونتيري تضمن الأدوات القادرة على تحويل تلك الخطة إلى نتائج
ملموسة. فهاتان المرجعيتان ، إلى جانب إعلان الألفية، تمثل خطة متكاملة توضح كيف يمكن لعناصر التمويل أن تدفع الجهود الإنمائية الدولية خطوات إلى الأمام .
ولقد بدأت البلدان النامية بالفعل بالاضطلاع بقدر أكبر من المسؤولية، فوضعت استراتيجيات لتنمية نفسها
. إلا أن المشكلة أمامها تبقى في عدم تدفق الموارد المالية إليها بالقدر الذي يعينها على تحقيق أهداف الألفية و غيرها من الأهداف الدولية المتفق عليها من قبل .
ولذا ، فمن الضروري العمل على زيادة تلك الموارد والتدفقات ، والالتزام على الأقل بحدها الأدنى ، والذي
كانت الدول متقدمة النمو قد قطعت على نفسها تعهداً للوفاء به ، على أن يتحقق ذلك ضمن إطار يتيح للأمم المتحدة القيام بدورها المنوط في هذا السياق .
وإننا في دولة قطر ندعو لأن يأخذ النظام الدولي للتمويل بالجوانب
الإنسانية بعين الاعتبار، لتنفتح الأبواب أمام تقديم مزيد من المنح ، ولإطلاق مبادرات بإلغاء الديون الرسمية ، تخفيفاً على الدول الأقل نموا والمثقلة بالديون
. كما نؤكد أيضاً على أهمية بناء نظام تجاري عالمي متعدد الأطراف، يلتزم مبادئ الإنصاف، ويراعي الاحتكام إلى قواعد محددة في التعامل بين الجميع .
وفي هذا الصدد ، فإننا نرحب بالقرار الذي اتخذه المجلس العام لمنظمة التجارة العالمية في الأول من أغسطس من عام 2004 بشأن التطبيق الكامل لإعلان الدوحة الوزاري،
بما تضمنه من أبعاد تخص القضايا الإنمائية. ونؤكد أيضاً على وجوب إستكمال جولة الدوحة للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف بحلول عام 2006.
السيد الرئيس ،
إن التنمية المنشودة تعتمد على تعزيز الحكم الرشيد ، القائم على احترام القانون وفتح الباب أمام المشاركة الشعبية، وهو ما سوف يتيحه ويدعمه انتشار
الديمقراطية ، التي بفضلها تنشأ مؤسسات قوية ، قادرة على المحاسبة والمساءلة، وفي ظلها تتعزز مكانة القضاء النزيه ، كما أنها توفر كل الشروط السياسية والثقافية
اللازمة لتوفير مناخ سليم يفيد في التنمية. وإن دولة قطر لتؤيد في هذا الصدد ما ورد في ورقة رئيس الجمعية العامة بخصوص الديمقراطية ، كما أنها ترحب بإنشاء
صندوق للديمقراطية في الأمم المتحدة معتبرة أن تأسيسه سوف يعين ويشجع على تحقيق التنمية، الأمر الذي يتفق تماماً مع قناعات دولة قطر في تعزيز المشاركة
الشعبية وتقوية مسارات الديمقراطية. ولهذا فإن قطر سوف تدعم هذا الصندوق بعشرة ملايين دولار ، متمنيةً أن يكون إنشاؤه فعلاً خطوة عملية تجاه رفاهية الشعوب.
السيد الرئيس ،
إن التهديدات التي يواجهها المجتمع الدولي اليوم،
والتحديات التي سوف يتصدى لها في العقود المقبلة ، لا تتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين فحسب ، وإنما تشمل مخاطر كثيرة كالفقر والأمراض السارية والمعدية، وتدهور
البيئة ، والحروب، ومختلف صور العنف ، وانتشار أسلحة الدمار الشامل ، والإرهاب ، والجريمة المنظمة عبر حدود الدول، إلى جانب الحرمان من مكاسب التنمية .
ولقد برهنت التجارب الحديثة على أن مواجهة
تلك التهديدات لا يمكن أن تتم بصورة منفردة أو بطريقة أحادية ، بل تتطلب ، وكما تبين مؤخراً بخصوص موضوع الإرهاب ، جهوداً جماعية وتعاوناً دولياً وثيقاً على
أساس الالتزام بميثاق الأمم المتحدة وأحكام القانون الدولي. إن عالم اليوم هو الذي يحتم جماعية الجهود بعد أن ترابطت أطرافه وتشابكت وحداته في إطار العولمة .
وفيما يتعلق ، سيادة الرئيس،
بدور الأمم المتحدة، فمن الأهمية أن يتعمق التعاون بين أعضائها ليؤكدوا هويتها ككيان يجسد التطلع الإنساني للتعايش السلمي بين الأمم، ويدعم ما يربط بينهم من مصالح
مشتركة. كما أن عليهم تعزيز قدرة أجهزتها لتمكينها من الاستجابة للتحديات الحاضرة والقادمة، حتى يمكن للمنظمة الدولية أن تتفاعل بإيجابية مع الظروف الدولية المتغيرة من حولها.
وهذه القمة تمثل فرصةً للتشاور حول السبل الكفيلة بالارتقاء بدور الأمم المتحدة. وإن دولة قطر، استناداً إلى ميثاق
المنظمة الدولية ، وقواعد القانون الدولي، لترى أن دور الأمم المتحدة سوف يتعزز كلما اتسعت مساحة العمل متعدد الأطراف في مواجهة المشكلات الدولية التي تواجهنا .
فالإرهاب الذي يشكل حالياً واحدة من تلك المشكلات ، يتطلب منا العمل معاً لمواجهته. وفي هذا الإطار، فإن قطر تؤكد استنكارها لكافة صور الإرهاب، وتحرص باستمرار على تنسيق
الجهود الدولية لمكافحته سواء بالمشاركة في المؤتمرات العالمية والإقليمية المخصصة للتصدي لتلك الظاهرة المقيتة، أو ببذل الموارد المالية والبشرية اللازمة لذلك .
وإننا لعلى استعداد للانضمام إلى الاتفاقية الدولية المنشودة لمكافحة الإرهاب، والتي نأمل أن تجرى صياغتها وفق منظور متعدد الأطراف. ولا يفوتني أن أشير في هذا السياق إلى
أهمية التوصل في مثل هذه الاتفاقية إلى تعريف للمفهوم، يستطيع المجتمع الدولي أن يفرق من خلاله بين العمل الإجرامي المنبوذ ، وحق الشعوب في الكفاح المسلح ضد الاحتلال.
السيد الرئيس ،
لقد أصبح لحقوق الإنسان قواعد وأحكام قانونية ملزمة و واجبة التطبيق. كما ظهرت في السنوات الأخيرة مجموعة من المنظمات المعنية بتلك
الحقوق على مختلف المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية، هذا بالإضافة إلى ما تؤديه المفوضية السامية لحقوق الإنسان من دور بالغ الأهمية في هذا المضمار.
وفي ظل ما يتردد أحياناً من اتهامات
لبعض من تلك المنظمات بالانتقائية وازدواجية المعايير، والترويج لقيم الثقافة الغربية، والتركيز على الحقوق السياسية والمدنية دون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
والثقافية، فمن الأهمية بمكان أن نؤكد أن عالمية حقوق الإنسان لا يجب أن تنتقص مما بين الحضارات والثقافات من تنوع مشروع يجب إعطاؤه ما يستحقه من احترام .
وإننا لنقدر للأمين العام للأمم المتحدة اهتمامه بقضية حقوق الإنسان والتي تقدم من أجلها بمقترح لتحويل لجنة حقوق الإنسان الحالية
إلى مجلس دائم محدود العضوية يتم انتخابه من قبل ثلثي أعضاء الجمعية العامة، يستثنى من عضويته دولا لا يبعث امتثالها بحقوق الإنسان على الارتياح. وإذا كنا نثمن هذا
الاقتراح، إلا أننا في الوقت نفسه نخشى أن لا يعبر هذا المجلس المصغر بعضويته المنتقاة والمحدودة عن المجموع الأوسع من أعضاء المنظمة الدولية، وأن لا يقدم الحلول
المطلوبة للقضايا المطروحة حول حقوق الإنسان. ولهذا، فإننا نرى أن يخضع الاقتراح لمزيد من الدراسة عبر مفاوضات حكومية دولية نصل من خلالها إلى رأي توافقي
مناسب يمكن أن تتأسس بموجبه هيئة خاضعة للجمعية العامة تتسع عضويتها على النحو الذي يجنب منظمتنا الدولية شبهة الانتقائية، و يحقق لأجهزتها الكفاءة في الأداء.
السيد الرئيس ،
إن إصلاح مجلس الأمن وتوسيع عضويته بات
جزء لا يتجزأ من تطوير و تفعيل دور الأمم المتحدة . وإننا لنتطلع إلى مزيد من المداولات بين أعضاء المنظمة الدولية في هذا الخصوص ، تمتد لمناقشة أساليب عمل
المجلس وعلاقته بالأجهزة الرئيسية الأخرى للمنظمة، وخاصة المجلس الاقتصادي والاجتماعي ، الذي ينبغي تعزيز وظائفه وتوفير الموارد اللازمة لمباشرة اختصاصاته.
كما أننا نؤيد إصلاح الأمانة العامة لتنهض بأنشطتها بشفافية، ولتحتكم لآليات مناسبة للرصد والمساءلة على نحو يساعد
في رفع الكفاءة المهنية لموظفيها الدوليين. وأرى ضمن هذا الإطار أن تتواصل الدراسة المتأنية والتفاوض الحكومي حتى نبلغ درجة التوافق التي تحقق مصلحة المنظمة.
سيادة الرئيس ،
لقد أشار الأمين العام منذ سنتين إلى أن الأمم المتحدة تقف على مفترق طرق، ما بين التعددية والأحادية. ولقد اختارت دولة قطر دائما السير في طريق تعزيز التعددية. وقد تجلى ذلك
أكثر من مرة، لعل أخرها قمة الجنوب الثانية التي انعقدت في الدوحة في يونيو الماضي، وأكدت على أهمية تعزيز التعاون الدولي بين مختلف أطرافه في الجنوب والشمال.
إن قطر اليوم تؤكد مجدداً ، حرصها على المشاركة في مسيرة النظام الدولي نحو التعددية، وترى أن ما سيتمخض عن هذا الملتقى سوف يسهم
في توسيع آفاق المستقبل أمام الأجيال الجديدة. إننا بحاجة إلى أمم متحدة قوية تستطيع وهي تحتفل بعيدها الستين أن تعمل من أجل بناء عالم ينعم بالسلم ويتمتع بالأمن والازدهار .
وشكرا لكم سيادة الرئيس
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته