بسم الله الرحمن الرحيم

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو،

سعادة السيد رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة،

سعادة الأمين العام للأمم المتحدة،

السيدات والسادة،

إنه لمن دواعي سعادتنا واعتزازنا أن نتحدث باسم دولة قطر وشعبها في دورة الألفية هذه برحاب الجمعية العامة للأمم المحتدة وأمام هذا الجمع الكريم ونحيي سعادة الأمين العام كوفي عنان ومساعديه لما بذلوه من جهود مثمرة في تنظيم هذه الدورة.

السيدات والسادة،

ليس من قبيل الصدفة في شيء أن تهتم جل الكلمات التي تواترت من على هذا المنبر منذ بداية اجتماعنا بموضوع العولمة، ذلك أن هذه الظاهرة التي هي نتاج تطورات اقتصادية واجتماعية وثقافية وإعلامية وتكنولوجية لم تعد تؤثر في الفعل السياسي لدى أصحاب القرار فحسب بل أضحت مرجعاً أساسياً في تحديد مقومات العلاقات الدولية.

لقد أصبحنا نتحدث عن عالم تقلصت مسافاته وأبعاده وتيسرت سبل الاتصال والتواصل بين أممه وشعوبه بفضل ما وفرته الثورة المعلوماتية من وسائل، عالم نلحظ فيه بكل إعجاب الخطوات العملاقة والنتائج المبهرة التي ما فتئ البحث العلمي يحققها خاصة خلال العقد الأخير من القرن الذي ودعناه. إلا أنه مع بالغ الأسف فإن نفس هذا العالم المبهر تتفشى الأمية التكنولوجية بل الأبجدية لدى غالبية شعوبه ويعاني حوالي بليون نسمة من ساكنيه الفقر المدقع المشين للكرامة الإنسانية وتتهدد اقتصاديات بلدانه من جراء الغزو الاقتصادي الأزمات المزمنة والمديونية الخانقة، كما تواجه بيئته الطبيعية بسبب سوء الاستغلال الضياع الوشيك على الرغم من تناقض ذلك مع توصيات كثير من المحافل الدولية التي نخص بالذكر منها مؤتمر ريو دي جانيرو.

أليس هذا هو واقع حالنا، أين نحن من فلسفة تعمير الأرض وتكريم الإنسان التي نادت بها الشرائع السماوية وتبنتها المواثيق والأعــــراف الدولية، أليس من واجبنا ونحن في هذا المحفل الدولي الذي يجسد عالمية الإنسان وكونية البشرية أن نقف جميعأً وقفة تأمل لنسئل أنفسنا عن الصيغة المثلى في إرجاع الأمور إلى نصابها وتدارك ما يمكن تداركه قبل فوات الأوان، إن علينا فرادى وجماعات مسؤولية جسيمة لابد أن نتحملها بكل نزاهة خدمة للأجيال الحالية والمقبلة.

أيها الحضور الكرام،

إن تحقيق الغد الأفضل للبشرية بما يجسد مبادئ الأمم المتحدة لا يتأتى دون توافر إرادة سياسية جماعية تتضافر فيها جهود المجتمع الدولي قاطبة وذلك لاعتماد استراتيجية تهدف بشكل أساسي إلى تقليص الهوة الاقتصادية والعلمية بين الدول والاستفادة المثلى والعادلة من ثمار التقدم التكنولوجي، ونعتقد أن منظمة الأمم المتحدة مؤهلة لصياغة نظام أممي يستوعب العولمة فيعمم فوائدها على البشرية جمعاء في نفس الوقت الذي يضع فيه الضوابط لآثارها السلبية. ونود هنا أن نطرح وجهة نظرنا بالنسبة للخطوات الإجرائية الكفيلة بإنجاح أهداف هذه الاستراتيجية.

أولاً، إننا نعتقد جازمين بأن الشرط الموضوعي للتقارب بين الشعوب يكمن في وضع خطة تربوية شاملة تقوم على محو الأمية الأبجدية ونشر التعليم والزاميته واتاحة الفرص لتعميم تطويع تكنولوجيا المعلومات لخدمة أهداف التنمية، فإنسان الألفية الثالثة لا يكفيه فقط أن يكون قادراً على فك رموز الكتابة بل من المفروض أن تكون لديه دالة على أدوات التواصل الحديثة مؤهلاً للتعبير بحرية عن أفكاره ومناقشة أفكار الغير.

ثانياً، إن تحسين الوضع الاقتصادي للدول النامية وبالأخص الفقيرة منها يستلزم في رأينا أن تؤخذ جهود إسقاط ديون الدول الفقيرة مأخــــذ الجد، ونرى بأنه من المفيد أن تتحول تلك الديون إذا أمكن إلى رساميل استثمارية في مشاريع تنموية تحرك عجلة الانتاج وتولد فرص العمل مما سيخفف إن لم يحد من ظاهرة الهجرة نحو البلدان المتقدمة، وقد يكون من المناسب في هذا المقام أن تخص الدول التي خطت خطوات أساسية في مجال الديمقراطية بالدعم الملائم.

ثالثاً، أن ما نأسف له كثيراً هو عدم تناسب المساعدات الإنمائية للدول المانحة مع ناتجها المحلي الإجمالي بينما المنطق يقتضي خلاف ذلك.

رابعاً وأخيراً، نرى أنه من مصلحة الدول المتقدمة أن تأخذ في الاعتبار الأضرار الجسيمة التي ستلحق بسبب سياساتها الاقتصادية بالدول النامية، وسوف نشير بإيجاز في هذا الصدد إلى ثلاثة مؤشرات. المؤشر الأول يخص الدول النامية المنتجة والمصدرة للمواد الخام فالدول الصناعية المتقدمة تتجاهل ارتفاع أسعار منتجاتها ولكنها تبادر بالاحتجاج عندما ترتفع أسعار المواد الخام كالنفط في الأسواق العالمية على الرغم من أن الأسعار المرتفعة سببها الضرائب التي تفرضها تلك الدول. المؤشر الثاني يتعلق بتذرع الدول الصناعية بقضايا متعددة بهدف إضعاف القدرة التنافسية لبعض الدول النامية. المؤشر الثالث يتعلق بالقيود المتزايدة التي تفرضها ذات الدول المتقدمة وشركاتها العملاقة على إمكانية الاستفادة من التطور الهائل في مجالات المعرفة الإنسانية وتطور التكنولوجيا بدعوى حماية الملكية الفكرية.

السيدات والسادة،

إننا نساند الاقتراحات البناءة التي طرحها سعادة الأمين العام في تقريره بشأن الحد من النزاعات المسلحة في العالم ودور الأمم المتحدة في هذا السبيل، ونؤكد في هذا الخصوص على ثلاثة قضايا هامة، أولها، حث الأمم المتحدة لتفعيل دورها لانهاء الصراع العربي الإسرائيلي مع ترحيبنا بأي جهود أخرى يمكن أن تبذل خارج الأمم المتحدة شريطة احترام حقوق الشعب الفلسطيني والسوري كما أقرتها القرارات الدولية. ونرى في هذا السياق ذاته أن تولي قضية القدس الشريف الأهمية القصوى التي تستحقها وذلك لمكانتها المتميزة في قلوب ووجدان العرب والمسلمين ولكونها أيضاً حجر الزاوية في أي سلم مرتقب في الشرق الأوسط.

أما القضية الثانية فتتمثل في ضرورة التحرك العاجل لجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، ونحن ندعو من هذا المحفل إسرائيل للانضمام لاتفاقية منع انتشار تلك الأسلحة. القضية الثالثة، وتتعلق بضرورة وضع ضوابط لفرض العقوبات الدولية يراعى فيها السقف الزمني الذي يحول دون استمرارها إلى الأبد.

أيها السيدات والسادة،

في الوقت الذي نتطلع فيه للمساهمة في تطوير أداء منظمة الأمم المتحدة نرى أن لاسبيل إلى ذلك دون تعميق الديمقراطية وتكافؤ الفرص داخل مختلف المنظمات الدولية، كما أنه قد آن الأوان لتوسيع عضوية مجلس الأمن حتى يشمل بكل عدل وانصاف جميع أقاليم العالم وأن يكون للعالم العربي لما له من أهمية مقعده الدائم في هذا المجلس.

حضرات السيدات والسادة،

ونحن على عتبة الألفية الثالثة فإننا نتطلع إلى عالم السلام والأمن عالم تسوده العدالة ويخيم عليه الأمن والرخاء خال من مآسي التفرقة والبؤس والحروب في إتجاه حركة التغيير والتطور والرقي للمساهمة في تقدم الإنسانية جمعاء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،