بسم الله الرحمن الرحيم

 

أصحاب السعادة،

السيدات والسادة،

الحضور الكرام،

      يسرني أن ألتقي بكم اليوم في الدوحة، وقد أتيتم إليها مشاركين في لقاء هام ، يُتيح لطرفيه فرصةً يقدم من خلالها كلٌ منهما وجهة نظره إلى الآخر، ويستمع منه إلى الرأي المقابل ، ليعرف أن نصف رأيه إنما يوجد عند شريكه في الحوار ، وليدرك الطرفان معاً أنهما متى التقيا فعليهما تحرى الصدق، والبحث في الآخر عن معنى الصديق .

      إن لقاءكم لمناسبة تعتز قطر باستضافتها للمرة الثالثة ، فهي تقرب بين جانبين وجدا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أن ثمة عوائق لا يمكن تجاهلها أو الاستخفاف بها لو أرادا لما بينهما من صلات أن تنمو وتتقدم، كما أن ما بينهما من علاقات لا زال بعضه رهينة لانطباعات مشوهة، وأفكار جامدة، حان لها أن تسقط، ليحل محلها فهم جديد وجريء، لا يستكبر الاعتراف بالخطأ، أو يستكثر حجم العمل المطلوب إنجازه، أو يستكين أمام من يحاول زرع اليأس في مستقبل علاقة استراتيجية أمامها أفاق رحبة يجب ارتيادها.

      وإذا كان المشاركون في الجولات الماضية من هذا الحوار قد سعوا إلى رصد مسيرة العلاقة بين الجانبين، واستوقفهم ما واجهته من تحديات، فإن لقاءكم هذا العام عليه أن يبني على ما سبق ، وأن ينظر هذه المرة في مفاتيح التحول، التي أصبح على الطرفين الأمريكي والإسلامي استخدامها لو أرادا لعلاقاتهما أن تدخل من باب واسع إلى مستقبل آمن تظلله رغبة متبادلة في التعاون ، ويسوده الاتفاق على سلم مشترك من الأولويات.

      إن واحداً من مفاتيح التحول عليه أن يعتني بأسلوب الحوار ذاته، حيث ينبغي على الطرفين أن يهتما بالشكل بقدر اهتمامهما بالمضمون. فالاستعلاء من طرف أو اللامبالاة من آخر قد يقود إلى تسرب الإحباط أو تسلل اليأس إلى من يعول على هذا الحوار في تطور علاقات الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي.

      وأحسب أن تراث كل منا يحث بدأب على النهوض والارتقاء بالحوار دعماً للتواصل البناء مع الآخر. فتراثنا العربي يدعونا ومن نحاوره إلى اللين في الكلمة، لأن من لانت كلمته وجبت محبته. كما أننا في عالمنا الإسلامي باتساعه لنقتدي بقول رسولنا الكريم بأن "الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها ممن سمعها ولا يبالي من أي وعاء خرجت،" ونراها دعوة تؤصل لقواعد الحوار السليم ، وتفسح الطريق للأخذ من الآخرين بما يصلح دون حساسية أو تخوف . ولهذا، فمن الضروري أن يجتهد الطرفان من أجل إدارة الحوار بينهما بروح متفهمة، حتى لا يبدو ما يقترحه طرف من ترتيب للأولويات على أنه إصدار لتعليمات، أو ما يسوقه طرف آخر من إيضاحات على أنه محاولة للتنصل من بعض الاستحقاقات.

السيدات والسادة ،

      إن مفاتيح التحول الأهم في مسار العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي تبقى رهن بالتقدم الذي تشهده القضايا المشتركة بين الجانبين.

      وإذا كانت الديمقراطية بعد أكثر من ستين عاماً قد بدأت تحتل موقعها على قائمة الموضوعات المطروحة للنقاش بين الطرفين ، لنرى دولاً في عالمنا الإسلامي وقد اتجهت نحو درجات مختلفة من التطبيق الديمقراطي ، إلا أن مقاربةً نهائية متفق عليها بين الجانبين حول تلك القضية لم تتبلور بعد، إذ تبقى ثمة غيوم تحيط بالموضوع، يحتاج تبديدها من هذا الحوار أن يسلط مزيداً من الضوء عليها .

      فالعالم الإسلامي وهو يرى الالتفات الأمريكي إلى الديمقراطية وقد تأثر بما حدث في الحادي عشر من سبتمبر ، تساءل في بعض جنباته عما إذا كان ذلك يعبر عن موقف إدارة ، أم يجسد تحولاً كاملاً في موقف دولة. وربما هو التساؤل الذي بسببه لا تزال جهود الإصلاح في تلك الجنبات فاترة، اضطرت لأن تبدأ بعد أحداث سبتمبر ، ولا زالت تراهن على عامل الوقت، وعلى أن بعض التعديلات الطفيفة بإمكانها أن تفي مؤقتاً بالغرض.

      وهو أمر يتطلب من الولايات المتحدة والبلدان الإسلامية الوصول معاً بالحوار إلى نقطة شفافة يزول عندها أي لبس بشأن مستقبل تجربة غير مسبوقة للتحول السياسي بدأت وعليها أن تكتمل، لتتأكد الشعوب الإسلامية، التي هي المعني الأول بالإصلاح ، أن آمالها لن تخذل بسبب تقلب قد يطرأ على موازين المصالح ، وأن تطلعاتها الواسعة لم تعد تكافئها بعض الإضافات التجميلية المحدودة 0

الحضور الكرام ،

      إن الحوار بين الجانبين حول الديمقراطية في حاجة لأن يصبح موضوعاً توافقياً لا خلافياً، جامعاً وليس مفرقاً، خاصةً وأن عدداً من تجارب التحول الديمقراطي في عالمنا الإسلامي من أفغانستان إلى فلسطين إلى العراق قد اختلط فيها وبمستويات متفاوتة صوت السلاح بأصوات المقترعين، على نحو أنتج هوة في التقديرات ليس فقط بين الجانبين الأمريكي والإسلامي، بل وداخل كل منهما، بشأن الطريقة المثلى التي يستطيع بها الخارج أن يساعد في بناء الديمقراطية.

      وإذا كان في العالم الإسلامي قلة يطيب لها أن تستحث الخارج للضغط عنوة من أجل الديمقراطية، وأخرى تنفر من الخارج بل و من الديمقراطية نفسها، فإن بينهما جماهير غفيرة واعية تدرك أن عليها أن تخوض بنفسها الطريق إلى الديمقراطية ، دون أن تمانع في التواصل مع كل من يتقدم لمساعدتها في قطع الطريق إلى نهايته.

      ولا يقل أهمية عن موضوع الديمقراطية، أيها السيدات والسادة، موضوع آخر من شأن معالجته ، تحقيق قفزة طيبة في العلاقات بين الجانبين. فمن ينظر إلى العالم الإسلامي سواء في قلبه أو عند أطرافه، يمكنه أن يرى بؤراً مشتعلة من التوتر ، وأن يرصد مشكلات حادة تمس السلامة الإقليمية لعدد من دولـه، وهو أمر كثيراً ما تجاوزت تعقيداته الإقليمية والدولية تلك الحدود الضيقة التي بدأت تلك المشكلات من عندها.

      إن العالم الإسلامي الذي يشكل كتلةً هائلة من اليابسة، يعيش عليها حوالي 27% من سكان كوكبنا، وتتمتع بفيض من الثروات ، لا بد وأن يعنى استقراره ورخاؤه الكثير بالنسبة للعالم.

      ولذا، فإنني أرى أن جانباً من الحوار الأمريكي الإسلامي عليه أن يبحث في وسائل تخفيف الاحتقان في تلك البؤر، ومساعدة دول مسلمة يمثل الحفاظ على تكاملها القومي حجر الزاوية في الاستقرار الإقليمي في أكثر من موقع، خاصةً وأن الولايات المتحدة إما دخلت أو اقتربت خلال السنوات القليلة الأخيرة من موقع أدق التطورات فيها.

الحضور الكرام ،

      إن العالم الإسلامي وهو يتحاور مع الولايات المتحدة إنما يدرك أنه حوار من نوع خاص، يدور مع واحد من أكثر الفاعلين الدوليين تداخلاً مع قضاياه خلال ما يزيد على نصف قرن، ويمتد متفرعاً ليشمل عشرات القضايا من الصراعات الإقليمية إلى نقل التكنولوجيا، ومن تعزيز الديمقراطية، إلى تحرير التجارة، ومن الإصلاح الاقتصادي إلى تطوير التعليم، ومن الحرب ضد الإرهاب إلى العمل من أجل حرية الإعلام، وغيرها من المسائل التي باتت لتعددها تربط المسلمين بالأمريكيين في نسيج متين يصعب أن ينفصم لسنوات طويلة قادمة.

      وأرى أن الولايات المتحدة، وقد وفد منها إلينا في هذا الحوار رموز نعتز بالتباحث معها من أهل الاقتصاد والفكر والسياسة، قد أدركت بدورها أن حوارها مع العالم الإسلامي يحمل لها إضافةً خاصة. فبعد أن بدا خلال سنوات الحرب الباردة وكأنه ساحة للتنافس العالمي ومسرحاً للصراع الدولي، بدأ العالم الإسلامي يظهر حالياً بتطلعاته ومشكلاته، وبتاريخه ومستقبله، كشريك لا يمكن الاستغناء عن الحوار معه، في وقت تنظر فيه الولايات المتحدة بدقة نحو المستقبل.

      إن حاجة الطرفين كل إلى الآخر، وتعدد مسارات العلاقات بينهما ليضع على عاتق مشروع قطر-بروكنجز، الذي بدأ تكوينه منذ العام الماضي كراع لحوار إسلامي أمريكي دائم، مسؤولية تعزيز هذا الحوار، والخروج بتوصيات عملية تعزز جدية الجانبين في العمل معاً، وهي مسؤولية أرجو لها النجاح، كما أرجو لمؤتمركم كل التوفيق.

      والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،