بسم الله الرحمن الرحيم

فخامة السيد فكلاف كلاوس رئيس جمهورية التشيك ،
أصحاب السعادة ،
الحضور الكرام ،


      يسعدني أن أرحب بكم جميعا في مستهل أعمال هذا المنتدى الذي ينعقد في وقت تحتل فيه التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في منطقتنا صدارة الاهتمامات العالمية والدولية .

      وتأتي في طليعة هذه القضايا الكبرى قضية التنمية المستدامة لتجسد بالحقيقة رؤية تحتضن في مضامينها تحقيق إصلاحات أساسية تدفع بإرساء أسس الديمقراطية والعدالة في بناء مؤسسات الدولة وسيادة القانون ودعم وتعزيز المجتمع المدني .

      كما يأتي هذا المنتدى في سياق عدد من المنتديات المتخصصة والهادفة إلى تعميق الحوار بطرح السياسات والآليات الفاعلة لتحقيق التنمية المستدامة عبر تناول جوانب أساسية تتعلق بإقامة نظام دولي أكثر استقراراً وأكثر قدرة على معالجة القضايا القائمة والتخفيف من مشكلات الفقر والتخلف وترجمة أهداف مشروع الألفية المتمثل في الاستثمار في البشر وأعني( الصحة والتعليم والتغذية وتنظيم الأسرة ) والنهوض بالبنية الأساسية ( الطرق والطاقة والموانئ ) من خلال تعاون دولي فعال يدعم الدول الأقل نمواً .

      ولا بد من التأكيد هنا على ضرورة تحقيق المساهمة الفاعلة والسريعة في نقل المعرفة التكنولوجية إلى البلدان النامية والمتمثلة في تعزيز القدرات الوطنية .

الحضور الكرام ،

      إن هذا المنتدى الذي يستهدف تعميق الحوار وتبادل المعلومات والاستفادة من الخبرات المتطورة ينبغي أن يحقق زيادة التعاون الفعال بين المؤسسات الدولية والحكومات بما يضمن مردودا عادلاً لثرواتنا الناضبة فيوفر لهذه الدول وشعوبها الإيرادات الضرورية لتنمية اقتصادياتها وتوفير مصادر بديلة للنفط تؤمن الدخل الكريم لأجيالها القادمة .

      لقد أثمرت رئاسة قطر لمجموعة ال 77 والصين ، إطلاق عملية البحث عن توافق آراء عالمي بشأن التنمية بما يُحدث توازنا دقيقاً بين المشاغل الأمنية وهدف استئصال الفقر وتحقيق التنمية المستدامة ، من منطلق قناعتنا بأن السلم والأمن لن يتوطدا ما لم يرتكزا على أساس من التنمية والعدالة .

      إن بلادنا تؤمن بأهمية التعاون بين دول الجنوب، واستضافت في ديسمبر الماضي منتدى التجارة والاستثمار لبلدان الجنوب وسيكون لها شرف استضافة قمة الجنوب الثانية في يونيو القادم بالدوحة .

الحضور الكرام ،

      إن بناء نظام دولي أكثر استقراراً على نطاقه العام وعلى مستويات التجمعات الإقليمية والدول يحتم العمل على بناء مؤسسات حديثة ومتطورة تتخذ من مفهوم الحكم الرشيد شعاراً لها، وهذا ما أطلقت عليه في سبتمبر الماضي ومن على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة « الإصلاح المستدام » .

      إن غياب الديمقراطية والتواني عن الإصلاح السياسي قادا إلى معظم صور المعاناة الاقتصادية والاجتماعية وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، فالإصلاح السياسي والمشاركة الشعبية في صنع القرار لم تعد قضية اختيارية وإنما باتت ضرورة تصل إلى درجة الحتمية . و« الإصلاح المستدام » يستوجب ألا يكون الحماس موسميا يرتبط بضغوط دولية بل يكون نابعا عن قناعة حقيقية .

      ومن هنا بات من الأهمية بمكان في عالم اليوم الجمع بين دعم مسارات التنمية المختلفة وبين الحكم الرشيد لتوحيد الجهود من أجل قضايا التنمية .

      « الإصلاح المستدام » ليس عصياً على عالمنا العربي غير أننا لم نباشر في أغلب دولنا السير نحو الديمقراطية وأكبر تحد يواجه المنشغلين بقضايا الإصلاح في منطقتنا هو الإجابة على السؤال الكبير حول كيفية تحويل الإصلاح «من عدو تخشى آثاره إلى صديق تُرجى فائدته » .

      ونحن في قطر أدركنا قبل سنوات أن الإصلاح ليس فقط خطة تعلن أو برنامجاً يوضع وإنما هو ثقافة حية وطريقة تفكير تحتاج إلى غرس وتعميق، فسعينا جاهدين إلى تطوير مؤسساتنا التعليمية مستعينين بالخبرات الدولية واتجهنا بثقة نحو إقامة نظام ديمقراطي أساسه الشورى ووضعنا خططاً للتنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية تجعل المواطن ، رجلاً كان أو امرأة يشارك في مسيرة التنمية وفي العملية السياسية عبر الانتخابات النيابية .

      إن عملية التنمية التي تتبناها بلادنا تسارع نموها بوتائر أعلى حيث بلغ حجم الاستثمارات في المشاريع الجديدة في قطر أكثر من 60 مليار دولار ، وزادت الثقة بالاقتصاد القطري ليس فقط لدى الشركات الأجنبية بل تعداها إلى مؤسسات التصنيف العالمية بفضل الاستقرار السياسي والسياسة المالية والحوافز الاستثمارية واعتماد الشفافية والمصداقية في التعامل . ونواصل العمل لتحسين المناخ الاستثماري من خلال تشييد البُنى التحتية وإقامة المدن الصناعية وتطوير القوانين بحيث أصبح بإمكان المستثمر الأجنبي تملك 100% من رأس المال في قطاعات اقتصادية متعددة تتماشى مع متطلبات التنمية .

      وإن كنا أفسحنا المجال واسعاً أمام حرية التعبير وقطعنا خطوات طيبة نحو استكمال مؤسسات تعليمية حديثة على رأسها المدينة التعليمية وأعطينا المرأة مساحة عريضة للمشاركة الإيجابية وأتحنا مساحة أكبر للقطاع الخاص ليسهم في عملية التنمية وسعينا إلى توسيع قاعدة المشاركة في الحكم وبناء دولة القانون والمؤسسات فإننا ما زلنا نواصل الحرص على أن تكون سياستنا التنموية شاملة لجميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

      ولقد اتخذنا عدة مبادرات باتت تشكل اليوم أحد أبرز الاهتمامات حيث وضعنا قضية التنمية نصب أعيننا كأولوية نصل من خلالها إلى تحقيق تطلعاتنا في بناء الوطن والمواطن وتحسين معيشة الناس والمحافظة على مواردنا الطبيعية .

الحضور الكرام ،

      هذا المنتدى الثاني في مجال التنمية نعتبره منبراً للتواصل البناء فيما بين صانعي القرار الحكوميين والخبراء الأكاديميين وممثلي المجتمع المدني، وننظر إليه على أنه يشكل نواة للتفاعل ليس فقط في إثراء المعرفة بل في فتح آفاق جديدة توسع من مساحات الحوار البناء بين الشعوب بصورة حضارية وتخفيف آلامها وتزيل أسباب الفقر وسوء العدالة وتضيق الهوة التكنولوجية وتخلق بيئة ملائمة لمتطلبات التنمية ومن هذه المنطلقات نبع إصرارنا على اقتران « التنمية المستدامة » بـ « الإصلاح المستدام » .

      أتمنى لكم التوفيق وأن يتواصل حواركم البناء لتحقيق أهدافنا المشتركة في الحياة الحرة الكريمة وفي معالجة قضايا التنمية بروح متسامحة وعقول منفتحة وقلوب متضامنة تعزيزاً للأمن والاستقرار في عالم مضطرب .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،