بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب السعادة ،
الحضور الكرام ،
يطيب لي أن ألتقي بكم اليوم في افتتاح منتدى الدوحة الخامس للديمقراطية والتجارة الحرة ، الذي يسرنا رؤيته وقد تحول إلى ملتقىً فعال جذب إليه
مشاركين أكفاء من عشرات الدول، وتطور ليصبح حلقة دولية متخصصة تناقش قضايا التطور الديمقراطي والحرية الاقتصادية.
ولعل من يعود بذاكرته قليلاً إلى الوراء حينما انطلق هذا المنتدى، يستطيع أن يلمس كيف أن فكرته لم تنبع من فراغ ، ولم
تنشأ بدافع من الرفاهية الفكرية، وإنما كانت استباقاً لما كنا ولا زلنا نرى أنه التطور السياسي والاقتصادي الطبيعي القادم في منطقتنا .
فقبل خمس سنوات لم يكن الحديث عن حرية التجارة أو الديمقراطية في الشرق الأوسط كما هو عليه الحال اليوم . فبالأمس ، كانت أصوات قليلة تراهن
على ميلاد عصر الديمقراطية في المنطقة . أما اليوم ، فهناك من يراودهم الأمل في أن يكون العد التنازلي لهذا العصر قد بدأ بالفعل
، بعد أن انضم إلى ركب الإصلاح أنصارٌ جدد ، وبدأت تلوح في الأفق ملامح ممكنة للتغيير، تحتاج من أصحاب الخبرات والرأي، الذين
أرى كثيراً منهم بيننا هنا اليوم ، إلى التدقيق فيها واقتراح السبل الكفيلة بالحفاظ عليها وتعزيزها، استجابةً لتطلع شعوب المنطقة إلى
حقوقها الطبيعية في المشاركة الشعبية ، بل وفي الاشتراك بإيجابية في الشؤون الدولية على أساس من التفاهم والتلاقي مع أسرة الأمم .
الحضور الكرام ،
قبل نحو عام، ومن خلال الدورة الرابعة لهذا المنتدى، سبق وأن أشرت إلى أن تخلف مسيرة الديمقراطية في منطقتنا واستشراء حالة
الغضب والإحباط فيها لا يخرج من رحم القضية الفلسطينية ، التي كثيراً ما اتُخذت ستاراً توارى من خلفه كل من حاول التهرب
من الاستحقاق الديمقراطي . واليوم ، فقد أثبت الأخوة الفلسطينيون باحتكامهم إلى الأساليب الديمقراطية والسير في التسوية
السلمية في آن واحد ، أن البحث عن الإصلاح والبحث عن السلام في المنطقة بإمكانهما أن يسيراً معاً دون تصادم أو تعارض.
إن التحول نحو الديمقراطية والاقتصاد الحر لا يمكن أن يكتمل
ما لم يستند إلى إرادة جادة تعي أهمية الإصلاح ، فلا تكتفي بإدخال تعديلات جزئية تتفادى بها نقداً ، أو تخفف بها ضغطاً ، وإنما تعمل على
استكمال متطلبات التقدم السياسي والاقتصادي من القبول بالتنوع في الآراء ، والاحتكام إلى إطار دستوري يعكس الإرادة الشعبية، والإقرار
بالحق في المشاركة عبر الأطر التنظيمية المناسبة ، بالإضافة إلى إرساء قاعدة اقتصادية حديثة تمنح المواطنين آفاقاً مفتوحة وفرصاً متكافئة.
وإذا كان الانتقال نحو الديمقراطية واقتصاد السوق في منطقتنا قد اكتسب بعض الزخم في الفترة الماضية ، إلا أن أشرعته لم تمتلئ بعد بكل الرياح المرجوة ، لا سيما وأن تجارب التطوير
السياسي والتحرير الاقتصادي دائماً ما تعترضها مشكلات ، وتصادفها تحديات ، تستلزم تهيئة المجتمع وإعداده لمواكبة تبعات التحول ومسؤوليات التغيير.
ولقد واجهنا في قطر خلال السنوات الماضية بعضاً من تلك
التحديات ، وقابلتنا إشكاليات نجتهد من أجل التغلب عليها حتى تصل تجربة الإصلاح في بلدنا إلى غايتها المنشودة . ففي
الوقت الذي يواصل فيه نظامنا الاقتصادي مسيرته نحو التحديث وفقاً لآليات السوق، بكل ما تتطلبه من تطبيق كامل للشفافية ،
فإن نظامنا القانوني يحرص على الوقوف في وجه أية تجاوزات لا تتفق والتقاليد الأصيلة للمجتمع ، ولا تتناسب مع ما تعيشه
قطر اليوم ، ولا مع ما تسعى إليه في المستقبل من بناء نظام اقتصادي شفاف ، ينهض على أساس من العدل والمحاسبة .
فليس بجائز في أي وقت ، ولا في هذا الوقت الذي يتجه فيه اقتصادنا ليؤكد جدارته
إقليمياً ودولياً أن نغض الطرف عن أية انحرافات تحدث أو انتهاكات ترتكب سواء عن جهل أو عن غير قصد أو تحت أي ذريعة من الذرائع.
وفي هذا الصدد ، فإننا نجتهد من أجل بناء ثقافة متكاملة للتغيير ، نحرص على أن نعمقها وننشرها من خلال تطوير مؤسسات التعليم ، واستكمال التشريعات
الأساسية ، وتمكين مؤسسات الرقابة القانونية من القيام بواجباتها ، ومن خلال الممارسة اليومية الصريحة والعادلة ، لأنها هي السبيل
المناسب لتأهيل المجتمع ، وتشجيع أفراده على التحلي بروح المسؤولية في التعامل مع ثمرات النهضة الاقتصادية التي بدأنا نجنيها ، والتي هي
حق للجميع ، بفضلها يشعر المواطن أنه شريك جاد في جهود التطوير ، فيتحمل واجباته ومسؤولياته مثلما يتمتع بكافة الحقوق التي يكفلها لـه الدستور.
إن بناء مثل تلك الثقافة ليس بالأمر اليسير ، ولكنه يبقى عملاً
واجباً . فالديمقراطية كما نراها لبلدنا ، ونتمناها لمنطقتنا،
ليست بإجراءات تكتب على الورق، أو بمؤسسات تنشأ عنوة ، وإنما هي ثقافة تشجع المجتمع على التخلي عن الأفكار المستهلكة ،
والنزول على ما يقتضيه القانون . كما أن الاقتصاد الحر ، كما نفهمه ، ليس بمنة تقدمها الدولة للمواطنين ، أو بطفرة في مستوى
المعيشة يجنيها الفرد دون عناء ، وإنما هو أسلوب حياة يتجاوز حسابات العرض والطلب إلى الامتثال الكامل بميزان الحقوق والواجبات.
السيدات والسادة
إن عملية الإصلاح والبناء الديمقراطي لا يمكن أن تنفصل عما يدور على الساحة الاقتصادية العالمية من
تغيرات ، لا سيما ما يتعلق منها بمستلزمات التنمية الاقتصادية في البلدان النامية ، بعد أن بدأنا نشهد تداخلاً بين الاقتصاد العالمي والاقتصاد
الوطني بشكل يُنتج أحياناً تحديات محليــة وإقليميــــة ودوليـــة غير مسبوقة . فقد أصبح من الصعب اليوم تحديد الفارق بين المواطن المحلي
والمواطن العالمي ، أو معرفة أين ينتهي الاقتصاد الوطني ليبدأ الاقتصاد الدولي . وتلك إشكالية أدعوكم لإمعان النظر فيها ، خاصة وأن الدور
الذي تضطلع به منظمة التجارة العالمية في الربط بين الاقتصاد المحلي والعالمي، بات يؤثر بشكل بالغ على جهود الإصلاح في أكثر من مكان .
وقد كان لدولة قطر نصيب في نشاط تلك المنظمة ، حينما استضافت الدوحة في نوفمبر 2001 المؤتمر
الوزاري لمنظمة التجارة العالمية ، إيماناً منها بأن الاقتصاد الوطني لو أراد أن ينمو فعليه أن يمد جسوره مع محيطه الدولي الأوسع . وقد استطاعت
جولة الدوحة أن تغطي مجموعة هامة من القضايا التي تخص كثير من الدول النامية، تتعلق بمستقبل التطور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي فيها.
الحضور الكرام ،
إن لديكم جدول أعمال على جانب من الثراء والشمول ينم عن حرص المشاركين على فهم الحاضر واستشراف
المستقبل . وليس هذا بغريب على منتداكم . فقبل خمس سنوات ثارت مناقشات وطرحت توقعات لا زال بعض منها يتحقق إلى الآن ، وهو ما يجعلني
أدعوكم اليوم لأن تنظروا من جديد في شكل المستقبل المحتمل في السنوات القادمة . فالمستقبل ليس هو ما يحدث في الغد وإنما ما يبدأ من اليوم.
أرحب بكم في الدوحة وأتمنى لمؤتمركم التوفيق والنجاح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،