بسم الله الرحمن الرحيم

أصحاب الفخامة.. سعادة المدير العام لليونسكو.. السيدات والسادة

لقد كان اختيار حوار الحضارات موضوعاً لهذه المائدة المستديرة على هامش أنشطة قمة الألفية التي تنظمهـــا الأمم المتحدة إختياراً موفقاً وذلك للأهمية البالغة التي يمثلها هذا الموضوع في عالم ما بعد الحرب الباردة ولذلك فنحن نتوجه بالشكر إلى الرئيس محمد علي خاتمي رئيس جمهورية إيران الإسلامية لمبادرته بطرح هذا الموضوع والواقع أنه لا عجب أن تأتي هذه الدعوة منه وذلك لمعرفته العميقة بالثقافتين الإسلامية والغربية ولمسؤولياته السابقة والحالية عن الثقافة أولاً ثم عن رئاسة الجمهورية الإيرانية الإسلامية في الوقت الحاضر.

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نتوجه بالشكر إلى سعادة الأمين العام للأمم المتحدة وسعادة المدير العام لمنظمة اليونيسكو وكل الفريق الذي عمل في التحضير لهذه الفعالية المميزة.

كما نعرب عن خالص شكرنا وعميق تقديرنا لدعوتنا للحديث في هذه المائدة المستديرة وأمام هذا الجمع المتميز من رؤساء الدول والحكومات.

أصحاب الجلالة والفخامة.. سعادة الأمين العام .. سعادة المدير العام لليونسكو.. السيدات والسادة

  إن أهمية هذا اللقاء تتضح من العنوان الذي اختير له وهو الحوار بين الحضارات ويدل هذا العنوان على موقف الحاضرين هنا من قضية العلاقة بين الحضارات المختلفة وأنها علاقة تقوم على التفاعل الإيجابي الذي نثريه جميعاً. وفي ذلك أبلغ الرد على دعاوى مضادة انطلقت منذ أعوام وكانت قمتها ذلك المقال الشهير الذي كتبه عالم السياسة الأميركي صمويل هنتجتون ونشره في مجلة فورين أفيرز في صيـــف سنة 1993 تحت عنوان صدام الحضارات وعبر فيه عن تلك الفكرة الخطيرة وهي أن عالم ما بعد الحرب الباردة سيشهد تأجج الصراع داخل الدول وفيما بينها على أساس الاختلافات الثقافية.. واستند صمويل هنتجتون في دعوته هذه إلى أن الخلافات بين الثقافات المختلفة ليست حقيقيـــــة فحسب وإنما هي اختلافات أساسية وأن التفاعل بين أبناء الثقافات المختلفة يزداد في عالم تصغر المسافات فيه وتضعف فيه الولاءات المحلية.. كما تضعف الروابط القومية ليحل الدين محلها وأن نمو قوة الغرب يؤدي إلى زيادة العداء لـــه بين أبناء الثقافات الأخرى وأن هذه السمات والخلافات الثقافية لا تتغير بسهولة وربما تكتسب أبعاداً إقليمية مع ظهور التجمعات الإقليمية الكبرى في شمال أميركا وأوروبا وشرق آسيا.

وقد تنبأ بأنه لهذه الأسباب فإن صراع الحضارات سوف يحتدم على مستويين.. فعلى المستـــــوى الأدنى أي داخل الدول سوف يزداد التوتر بين الجماعات المختلفة ثقافياً وقد ينفجر بصورة عنيفة نتيجة التنافس في السيطرة على الأراضي وعلى البشر.. وعلى المستوى الأعلى فإن الدول التي تنتمي إلى حضارات مختلفة سوف تتنافس فيما بينها للحصول على قدر أكبر من القوة العسكرية والاقتصادية وللسيطرة على المؤسسات الدولية وعلى أطراف ثالثة وعلى نشر قيمها السياسية والدينية الخاصة. ولاشك أن هذه النظرية وإن صدرت عن مفكر كبير لـــه احترامه مثل السيد صمويل لتنطوي على قدر كبير من التناقض وعدم التوافق مع حقائق التاريخ والواقع فضلاً على أنها ذات نتائج سياسية خطيرة.

فاختزال المسافات في العالم نتيجة الثورة العلمية والتكنولوجية مثلاً يمكن أن يقرب بين البشر الذين سيكتشفون أنه على الرغم من الاختلافات فيما بينهم من حيث اللون والديانة واللغة فإن هناك اهتمامات كبيرة مشتركة تجمع فيما بينهم وتتعدد الأمثلة على هذه الاهتمامات المشتركة فهناك مئات الملايين في كل أنحاء العالم الذين يشاهدون في نفس الوقت لحظة تاريخية في مكان ما أو أحداثاً سياسية في بلد ما أو الذين يشاهدون البرامج المصورة المنقولة أو يتعاطفون مع نفس الأفكار. كما أن عملية التحديث التي يشهدها العالم ربما تضعف من أثر الولاءات الأولية العرقية أو اللغوية في تشكيل وعي البشر كما تغفل هذه النظرية وجود خلافات ضخمة بين الذين ينتمون إلى نفس الثقافة.. ألم تكن هناك حروب بين بريطانيا وفرنسا أو بين الصين واليابان أو بين العراق والكويت وكلها دول تنتمي إلى نفس الجماعة الثقافية والدينية.

إنَّ الوحدة الأساسية في العلاقات الدولية مازالت هي الدول وليس الحضارات أو الثقافات.. والدول تتصرف بدافع من مصالحها الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية والعسكرية وليس بالضرورة على أساس انتماءاتها الثقافية وحدها. ولكن الأهم من ذلك كله هو خطورة النتائج السياسية التي تترتب على هذه النظرية فهي تفترض أنه نظراً لأن البشر يختلفون فيما بينهم من حيث انتماءاتهم الثقافية فإن ذلك سوف يولد بالضرورة التوتر والصراع فيما بينهم وأن أكثر الخلافات حدة وأشدها خطورة هي ما سيجري بين الغرب وبقية العالم وخصوصاً بين الغرب وكل من العالمين الإسلامي والكونفوشيوسي.

بل أن هناك شواهد على أن مخططي السياسة الخارجية وبعض أعضاء المجالس النيابية في دول كبرى بدأوا يرسمون سياسات لمواجهة البلدان ذات الثقافة والحضارة والديانات المختلفة ويتخذون منها موقف الحكم والرقيب. والواقع أننا ومن منطلق حضارتنا العربية الإسلامية نرفض تماماً هذا التوجه ونرى أن هذه الاختلافات فيما بين البشر هي سبب للتعاون والتضافر فيما بينهم لما فيه نفعهم جميعاً.. ألم يقل القرآن الكريم /وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا/.

وأكد على أن خير البشر عند الله هو أكثرهم تقوى وإخلاصاً لعمله (إن أكرمكـــم عند الله أتقاكم ).. وشدد الرسول محمد عليه الصلاة والسلام نبي الإسلام على نفس المعنى قائلاً ../لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى /. وأضاف أن واجب المسلمين هو البحث عن المعرفة في أي مكان ولدى أي مجموعة من البشر كما قال الحديث الشريف /أطلبوا العلم ولو في الصين /. وقد انعكست قيم التسامح في هذه الحضارة العربية الإسلامية التي اتسمت بقبول أصحاب الديانات السماوية الأخرى من يهود ومسيحيين بالسعي إلى مصادر المعرفة في حضارات العالم القديمة من إغريقية وفارسية وهندية.. وهذا التفتح إزاء حضارات العالم المختلفة كما عرفها المسلمون في عصر إزدهار حضارتهم منذ القرن السابع الميلادي وحتى القرن الثالث عشر هو الذي مكنهم من أن يضيفوا إلى الحضارة الإنسانية إضافات باهرة بأقلام ابن رشد والفارابي وابن سينا وغيرهم وأن يكونوا حلقة الوصل ليس فقط بين غرب العالم المعروف وقتئذ وشرقه، بل كذلك بين الحضارات القديمة والحضارة الحديثة فهم الذي نقلوا من معارف الإغريق إلى أوروبا.

ولم تختلف هذه القيم مع انتقال العرب إلى العصر الحديث فإننا في قطر نفخر بترجمة هذه القيم إلى نمط يمثل تفاعلاً مثمراً بين الشعوب من حضارات مختلفة جاءوا إلى قطر لكي يعاونوا شعبها في نهضته الحديثة ويجدون فيها الأمن والعيش الكريم. وفيما يتعلق بالموضوعات المحددة المطروحة على هذه المائدة المستديرة مثل تعريف أطراف حوار الحضارات ودور الأمم المتحدة ووكالاتها في هذا الخصوص فإننا نرى أولاً أن تعريف الثقافة أو الحضارة لا ينبغي أن يكون تعريفاً جامداً يربط الثقافة بالدين وحده أو باللغة وحدها أو بالانتماء الجغرافي أو التجربة التاريخية المشتركة فقط وثانياً أن يكون الحوار مفتوحاً بين ممثلي كل الحكومات والشعوب بغض النظر عن إنتماءاتهم المختلفة ولا شك أن الأمم المتحدة بوكالاتها المتخصصة وبأنشطتها المتعددة الهادفة إلى دعم السلم والأمن الدوليين وتعزيز العلاقات الودية بين الشعوب هي مثل بارز على هذا الحوار الفعال والمثمر بين الحضارات فالحكومات الأعضاء فيها تمثل معظم التجمعات الثقافية الأساسية في عالم اليوم وهي تشارك في أنشطة الأمم المتحدة لما فيها خيرها جميعاً سواء بوقف الصراعات المسلحة والبحث عن حلول لها أو بتعزيز التعاون الدولي في مجالات عديدة من مكافحة المخدرات إلى مواجهة الكوارث ودفع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في كافة مجالاتها.

ومع ذلك فإن خطورة نظرية صراع الحضارات كما تطرحها بعض وسائل الإعلام الغربية تقتضي موقفاً واضحاً من الأمم المتحدة لمواجهة نتائج آثارها التي من شأنها أن تزيد أسباب التوتر في العالم في وقت كنا نأمل فيه مع انتهاء الحرب الباردة أن تقل تلك الأسباب وأن يحل الوئام والوفاق بين البشر أجمعين بصرف النظر عن أي تباين في انتماءاتهم الثقافية. لأجل ذلك نقترح أن تقوم منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة بدور أساسي في هذا المجال.. وإذا كان دستور هذه المنظمة يقول بأن الحروب تبدأ في عقول البشر.. كذلك فإن تولد أي صدام محتمل بين الحضارات يبدأ أيضاً في نفس العقول ومن خلال نمو إدراك خاطئ وصورة ذهنية مضللة عن جماعات بشرية أخرى.

وربما يمكن لمنظمة اليونسكو أن تدير الحوار حول كيفية تعزيز العلاقات بين جماعات إنسانية ذات انتماءات ثقافية مختلفة على ثلاثة مستويات، المستوى الأول يشمل نشاطاً علمياً صرفاً يضم علماء التاريخ والسياسة والاجتماع ويستهدف بيان حقيقة ما يقال عن صراع الحضارات وأن ما بدا أنه صراع حضارات قد نتج في واقع الأمر إما عن مصالح متعارضة إستراتيجية واقتصادية وسياسية وعسكرية أو عن التلاعب بانتماءات البشر خدمة لمصالح ضيقة لقيادات سياسية.

المستوى الثاني يتوجه بالأساس إلى أن أصحاب الرأي في مجال الإعـــــلام بحقوله المختلفة ويستهدف اكتشاف أفضل السبل لتوضيح أثر الصور الخاطئة التي قد تنقلها أدوات الإعلام عن الجماعات الثقافية المغايرة ويمكن أن يمتد هذا النشاط كذلك إلى القائمين على إدارة المؤسسات التعليمية وخصوصاً من يضعون المناهج المدرسية وبالذات تلك الموجهة إلى النشء في مراحل تكوينهم الأولى. المستوى الثالث يجمع قادة سياسيين ورجال حكم ينتمون إلى جماعات ثقافية مختلفة التي يمكن أن تتبعها من أجل استئصال جذور التوتر بين هذه الجماعات وتقليل فرص الصدام فيما بينها.

ولا ينبغي أن تبقى المداولات التي تجري على هذه المستويات الثلاثة حبيسة جدران منظمة اليونسكو أو الأمم المتحدة وإنما ينبغي إتاحة وقائعها ونتائجها على أوسع نطاق ممكن من خلال التلفزيون والإذاعة والصحافة ومن خلال الكتب وشبكات المعلومات الإلكترونية. ونحن في قطر على أتم الاستعداد للمشاركة بنصيبنا في هذه الأنشطة على هذه المستويات الثلاثة إذا ما تبلورت توصيات تسهم في نقلها على أرض الواقع أو في أي أنشطة أخرى من خلال الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.. وفوق ذلك كله فإنه بناءً على تقديرنا للجهد الـــذي تقوم به لجنة الحكماء التـــي ستستضيف حكـــومــة البرازيل مشكورة اجتماعها الأول فإننا نرحب بأن تستضيف قطر الاجتماع الثاني لهذه اللجنة وبطبيعة الحال فسوف نوفر لها كل التسهيلات التي تضمــــــن لها اجتماعاً يسيراً ومثمراً.

أصحاب الفخامة.. سعادة المدير العام لليونسكو.. السيدات والسادة

إننا نؤمن بأن اختلاف الثقافات وتنوع الحضارات هو مصدر إثراء للبشرية وأساس وطيد للتعاون بين الشعوب ولهذا السبب فإننا نعلق أهمية كبرى على نتائج اجتماعات هذه المائدة المستديرة.

وفقنا الله جميعاً لكي نعمل لما فيه صالح الأسرة الإنسانية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،