بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الرئيس ،
السيد الأمين العام ،
أصحاب السعادة ،
السيدات والسادة ،
يسرني أن أبدأ بمخاطبة الجمعية العامة باسم مجموعة الـ77 والصين ، والتي تترأسها بلدي قطر حالياً 0 وأغتنم هذه المناسبة لأتقدم بالتهنئة
للسيد / جان بانج على رئاسته للدورة الحالية للجمعية
العامة متمنياً لسيادته التوفيق والنجاح في مهمته كما أود أن أتوجه بالشكر إلى سلفكم السيد / جولين هنت على قيادته أعمال الدورة السابقة .
ويطيب لي كذلك أن أعبر لسعادة كوفي آنان الأمين العام للأمم المتحدة
عن تقديري لحكمته في إدارة أعمال هذه المنظمة خلال فترة دقيقة واجهت فيها العلاقات الدولية ، ولا تزال ، تحديات هائلة في مختلف المجالات .
السيد الرئيس ،
لقد نشأت الأمم المتحدة قبل نحو ستة عقود لتعبر عن
تطلع كافة أعضاء الأسرة الدولية إلى إنقاذ العالم من ويلات الحروب وحفظ السلم والأمن الدوليين وتحقيق التعاون بين الأمم المتحدة والشعوب في مختلف
المجالات 0 وبعد نشأتها بنحو عقدين ، وبالتحديد في 15 يونيو 1964 ، تأسست مجموعة الـ 77 لتعبر عن تطلع عشرات الدول النامية في آسيا وأفريقيا
وأمريكا اللاتينية للعمل مع بعضها البعض من خلال مظلة الأمم المتحدة بهدف تعزيز مصالحها الاقتصادية المشتركة ، وتطوير قدراتها التفاوضية حول
مختلف القضايا الاقتصادية الدولية ، وزيادة روابط تعاونها الاقتصادي والفني 0 وكما نمت الأمم المتحدة فازداد حجم عضويتها واتسعت أوجه نشاطها
، فإن مجموعة الـ 77 والصين جذبت برسالتها أعضاء جدد إلى أن وصلوا إلى مائة واثنان وثلاثون دولة يشكلون أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة .
إن مجموعتنا ، سيادة الرئيس ، تجسد حرص الدول النامية على
الالتزام برسالة الأمم المتحدة ، والاهتداء بالمبادئ النبيلة التي تضمنها ميثاقها 0 وإذا كان الاجتماع الوزاري للمجموعة يوضح بلا لبس تلك العلاقة
الوثيقة بينها والمنظمة الدولية ، فإن ما اتبعته دولها منذ ابريل عام 2000 حينما عقدت أول لقاء لها على مستوى الرؤساء والقادة ، ليؤكد من جديد
حرص أعضاء المجموعة على الارتقاء بالتنسيق فيما بينهم ، مستلهمين في ذلك نظام الأمم المتحدة كي يعينهم على إدراك الغايات التي يعملون من أجلها .
السيد الرئيس ،
إن التحدي الصعب الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم ، وكما تراه مجموعة الـ 77 والصين يتمثل في حفظ السلم والأمن
الدوليين وتحقيق الرفاه الاقتصادي والتنمية معاً . ولقد ثبت من تاريخ العلاقات الدولية خلال نصف القرن المنصرم أن حفظ السلم والأمن يكاد
يكون مستحيلاً في ظل الحرمان من الحد الأدنى اللائق من الأسباب المعيشية الكريمة . فكثيراً ما قاد الفقر والعوز إلى توترات أدت في النهاية
إلى الإخلال بالسلم والأمن الدوليين . وليس من قبيل المصادفة أن المناطق الأشد فقراً في العالم هي التي كابدت أكثر الصراعات الإقليمية تعقيداً .
ولتحقيق الهدفين معاً ، الأمن والتنمية ، فإن الأسرة الدولية تحتاج
إلى تبني سياسات أكثر نزاهة تنصف شريحة واسعة من أعضاء المجتمع الدولي لا زال ينقصها كثيرا من مقومات الحياة الأساسيــــــة .
السيد الرئيس ،
السيدات والسادة ،
ربما لا يختلف اثنان على أن العولمة قد اكتسبت قوة دفع هائلة وأتت
بإيجابيات لا لبس فيها . ومع هذا فقد صاحبتها بعض الآثار المجحفة التي تقتضي مراجعة وإعادة نظر في مجموعة من السياسات الاقتصادية
الدولية المتبعة حتى تكتسب الوجه الإنساني المفترض فيها . فاستمرار القسمة غير المتوازنة لفوائد التشابك الاقتصادي العالمي والاتساع
المتواصل للفجوة بين البلدان المتقدمة والنامية ، وتردي الأوضاع الاقتصادية في عدد ليس بقليل من دول الجنوب ، وما يصاحب كل ذلك
من عواقب ضارة على البيئة ، من شأنه أن يؤجج مشاعر الحنق والإحباط بل وقد يؤدي إلى أشكال لا نرجوها من الصراعات الدوليـــــــــة .
ولذا فإنه من الضروري معالجة المعوقات التي تجعل من الصعب على البلدان النامية الاستفادة المنصفة من ثمرات النمو الاقتصادي العالمي ، وأن تعيد الأسرة الدولية
تأكيد التزامها باستئصال الفقر وتحقيق الأهداف التنموية لإعلان الألفية عن طريق إدماج الدول النامية في الاقتصاد العالمي بشكل أعمق وأشمل .
السيد الرئيس ،
إن مجموعة الـ 77 والصين تتمسك بدعوتها إلى بناء نظام تجاري مفتوح متعدد الأطراف يراعي قواعد العدالة والإحتكام إلى
القانون ، ويهتم بمساعدة البلدان النامية على مكافحة الفقر والتخلف ، وهو ما يقتضي وضع حد لأوجه الانحياز في عملية تحرير التجارة بين
البلدان المتقدمة والنامية ووقف الممارسات التي لا تزال تعرقل التبادل التجاري الحر كالإعانات الزراعية وسياسات دعم بعض المحاصيل
واعتراض حركة الأشخاص الطبيعيين ، بما يجعل من المستحيل على البلدان النامية توظيف ما لديها من طاقات أو تسويق كثيراً مما تنتجه .
وفي هذا السياق فإننا ندعو الدول المتقدمة إلى الإقدام على تحرير التجارة بمعدلات أسرع ، فتزيل مختلف العوائق التي تحرم البلدان
النامية حتى الآن من حقها في علاقات تجارية ودولية تنهض على أساس التكافؤ في الفرص . وإذ نرصد ذلك التقدم الذي تم إحرازه في
مفاوضات الدوحة بشأن مسألة الزراعة ، فإننا ندعو إلى إعطاء مسالة وصول المنتجات الأخرى التي تهم البلدان النامية إلى الأسواق
العالمية الأولوية التي تستحقها . كذلك ينبغي الاتفاق على إجراءات محددة تضمن وصول التدفقات المالية الكافية إلى البلدان النامية ،
لا سيما الاستثمار الأجنبي المباشر لمساعدة تلك البلدان على بناء قدراتها الإنتاجية اللازمة للمنافسة في السوق العالمية . ونشدد أيضاً
على أهمية إتاحة الفرصة أمام الجميع للانتفاع بمنجزات العلم والتكنولوجيا والوصول إلى مصادر المعرفة والمساعدة على تحقيق التنمية .
السيد الرئيس ،
إن مراجعة إعلان الألفية
يشير على أن ما تضمنه من أهداف حول بلدان أفريقيا والدول الأقل نمواً تبدو غير قابلة للإنجاز حتى الآن . ويرجع ذلك إلى حد
كبير إلى عدم الوفاء بالتعهدات التي كانت قد قطعت وبسخاء في مختلف مؤتمرات الأمم المتحدة وقممها . وحيث أننا سنقوم خلال
العام القادم بإجراء الاستعراض الأول لإعلان الألفية فإن علينا أن تغتنم فرصة لقاءنا اليوم لنجدد الإلتزام بتنفيذ ما جاء في هذا
الإعلان وعلى وجه السرعة وسوف تتقدم مجموعة الـ 77 والصين عند استعراض هذا الإعلان بجملة من المقترحات لتفعيل ما
جاء فيه ، ينصب غالبيتها على تطوير العلاقات الدولية متعددة الأطراف . كما ستواصل المجموعة اهتمامها بالحالة في أفريقيا
والبلدان الأقل نمواً والبلدان النامية غير الساحلية . وقد شاركنا بالفعل في البحث عن حلول عملية للمشكلات التي تعاني منها
هذه المناطق، كما سنشارك في الاستعراض المقبل لبرنامج بربادوس للبلدان النامية الجزرية الصغيرة في أوائل عام 2005 .
وأنتهز هذه الفرصة لأحث المجتمع الدولي على دعم هذا البرنامج بوصفه جزء لا يتجزأ من جهودنا للسير نحو عالم افضل .
السيد الرئيس ،
أسمحوا لي الآن أن أتناول باسم بلدي قطر عدداً من القضايا السياسية وثيقة الصلة بما نسعى إليه من
أجل تمكين الشعوب والبلدان النامية من التمتع بحقوقها الاقتصادية كاملة . وأركز من بينها على مسالة غياب الديمقراطية والتواني
لفترات طويلة عن الإصلاح السياسي في عدد ليس بقليل من بلدان الجنوب ، لربما ظهرت أكثر ما ظهرت في السنوات الأخيرة في
منطقة الشرق الأوسط . فقد تسبب هذا الغياب وذلك التواني في معظم صور المعاناة الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي تكابدها حالياً .
إن الإصلاح السياسي ومشاركة المواطن
في صنع القرار لم تعد قضية اختيارية نأخذ أو لا نأخذ بها ، وإنما باتت ضرورة ، ولا أبالغ إذا ما قلت أنها تصل حتى إلى درجة الحتمية
، بعد ما أظهرته المسيرة الطويلة للعلاقات الدولية من أن الدول التي أنجزت اقتصادياً كانت هي الأكثر حرصاً على تطبيق الديمقراطية ،
سواءً كانت من بلدان الشمال أو الجنوب . وإذا كانت هناك بعض الحالات لدول تمكنت من تحسين أداءها الاقتصادي من دون أن توفق
أوضاعها السياسية مع مبادئ الديمقراطية ، فإنها تبقى حالات محدودة، كما ظلت عرضة باستمرار لحدوث هزات اقتصادية مفاجئة .
وكما يسود العلاقات الاقتصادية الدولية ،
أيها السيدات والسادة ، حديث عن التنمية المستدامة ، فإن حديثاً آخر لا بد وأن ينطلق عن ما أسميه بالإصلاح المستدام . فالعبرة
ليست في أن تقدم بلدان الجنوب على الإصلاح السياسي في عهد ، ثم تنتكس على عقبيها بعد ذلك في عهد آخر، أو أن تتقدم خطوة
إلى الأمام نحو الديمقراطية سعياً وراء مصلحة آنية ثم تأخذ بعد ذلك خطوتين إلى الوراء بعد انقضاء تلك المصلحة ، وإنما العبرة
الحقيقية لا بد وأن تؤخذ من التاريخ الطويل للتنمية الذي لم تنصف سجلاته إلا من أستوعب أن الاقتصاد لا يقوم إلا على الكفاءة
، وأن الكفاءة لا تكتسب بالأوامر وسياسات الترويع والحجر ، وإنما تنضج بالنقاش والمشاركة في مختلف الشؤون العامة .
السيد الرئيس ،
إن القضية الفلسطينية لنموذج يجسد معاناة
شعب حرم من حقوقه السياسية والاقتصادية معاً ، يحاول برغم صعوبة المحاولة ، أن يصلح من أوضاعه . ولكن الاحتلال الإسرائيلي
يظل عبئاً ثقيلاً على الأحلام الفلسطينية المشروعة في الحرية والتنمية . فلأكثر من خمسين عام وقضية فلسطين ما تزال مدرجة على
جدول أعمال الجمعية العامة . ولهذا ، فإن المجتمع الدولي في حاجة إلى وقفة يقظة مع ضميره يراجع بمقتضاها مواقفه تجاه قضية تركها ،
برغم إنسانيتها وشرعيتها البينة ، تمتد من قرن إلى قرن حتى تضاعفت مأساة الشعب الفلسطيني أمام جبروت قوات الاحتلال الإسرائيلية .
إن إلزام إسرائيل بتطبيق قرارات الشرعية الدولية لأمر أكثر
من واجب لأنها ، في اعتقادي ، لا يجب أن تكون شرعية انتقائية تنطبق على البعض دون الآخر ، كما أن عليها الوفاء بالتعهدات التي
سبق وأن قطعتها على نفسها بما في ذلك خطة خارطة الطريق ، فضلاً عن وقف بناء الجدار العازل الذي يؤذي الفلسطينيين في أوطانهم
وقوتهم ، وذلك وفقاً لفتوى محكمة العدل الدولية في 9 يوليو 2004 والتي اقرتها الجمعية العامة في دورتها الاستثنائية الطارئة العاشرة ،
وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ، المتعايشة بأمن وسلام مع إسرائيل .
ويرتبط بذلك ضرورة تحقيق التسوية السلمية الشاملة للصراع العربي الإسرائيلي على
أساس انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي احتلتها عام 1967 ، بما في ذلك الجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية
. وتؤكد أيضاً في هذا المجال على ضرورة جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل وبدون أية استثناء .
وبالنسبة للعراق فإننا نرجو
أن يدفع قرار مجلس الأمن رقم 1546 بالأوضاع هناك نحو الاستقرار ليتم تطبيق الجدول الزمني الذي تضمنه القرار بشأن
إجراء انتخابات ديمقراطية حرة ، وصياغة دستور دائم في الموعد المحدد تمهيداً لتشكيل حكومة دستورية منتخبة ، كما أننا
لن ندخر وسعاً في دعم مشاريع إعادة الإعمار ، ونؤكد موقفنا الثابت من ضرورة المحافظة على استقلال وسيادة العراق ووحدة
أراضيه وسلامته الإقليمية وعدم التدخل في شؤونه الداخلية ، كما نؤكد أيضاً على الدور المحوري للأمم المتحدة في العراق .
ونلاحظ بارتياح التزام السودان بالعمل بصورة وثيقة مع المجتمع
الدولي لحل الصراع في منطقة دارفور بما يوجب على الأسرة الدولية التعاون الإيجابي مع الحكومة السودانية ، خاصة
وأنها باشرت القيام بإجراءات إعادة إقرار القانون للتخفيف عن مواطني هذا الإقليم . ونرحب أيضاً بالاتفاقات التي تم توقيعها
لإيجاد تسوية سلمية لمشكلة جنوب السودان ، ونحث المجتمع الدولي على دعم جهود حكومة السودان في هذا الخصوص .
السيد الرئيس ،
إن القضايا الأخيرة التي أشرت إليها وإن بدت ذات طبيعة سياسية تتعلق بمشكلات إقليمية مزمنة وفي منطقة الشرق الأوسط
بالأساس ، إلا أنها لا تبعد في الحقيقة عن مسعى مجموعة الـ 77 والصين في الوصول على نظام دولي أكثر عدالة . فالاستقرار
الإقليمي المنشود تحقيقه في كل قضية من هذه القضايا سوف يسمح بإعادة البناء الاقتصادي على أسس سليمة في كل واحدة منها .
إن مجموعة الـ 77 تعمل منذ أربعين عاماً على أكثر من صعيد ، فهي في الوقت الذي تقيم فيه
الجسور بين البلدان النامية ، تحرص على الوصول إلى البلدان المتقدمة وإقناعها بأن مصلحة النظام الاقتصادي الدولي تتمثل في تقريب
الفجوة لا في اتساعها ، كما أنها تبقى دائماً مجموعة ملتزمة بمظلة الأمم المتحدة حريصة على التنسيق المستمر مع أجهزتها وهيئاتها .
السيد الرئيس ،
السيد الأمين العام ،
السيدات والسادة ،
أشكر لكم حسن استماعكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .