بسم الله الرحمن الرحيم

 

السيدات والسادة ،

الحضـــور الكـــــــرام ،

      يسرني أن ألتقي بكم في الدوحة ، وقد قدمتم إليها للتداول فيما بينكم حول موضوع يفيض بالأهمية ، ويتصل بمسيرة الديمقراطية والإصلاح في وطننا العربي .

      وأحسبُ أن مؤتمركم هذا لمناسبة جديدة ، تؤكد أن المستنيرين من أبناء هذه الأمة لا زالوا قادرين على البذل والعطاء كي يبينوا لها الطريق إلى مستقبل أفضل يعوضها ما فات من فرص للنهضة ، ويمكنها من اللحاق بقافلة الديمقراطيات الناشئة ، لا سيما وأن منطقتنا ، وقد اعترفت بلدانها مؤخراً بضرورة التطوير وتوافقت بعد تردد على مبدأ الإصلاح ، تبدو مهيأةً أكثر من أي وقت مضى لاستقبال فجر جديد تنقشع فيه كثير من الغيوم ، وينبعث فيه الأمل بأن نفس الأقدام التي سبق وتعنتت فتعثرت في ضباب الماضي ، قادرةٌ على أن تنهض وتثب لترى نور المستقبل .

      إن اجتماعكم هنا ليُعززُ قناعة قطر ، بأن منظمات المجتمع المدني في وطننا العربي تستحق أن تحصل على فرصتها كاملة ، فتضطلع بمسؤولياتها الوطنية ، وتتصدى بشكل فاعل للقضايا التي تشغل أمتنا . وقد تجسد ذلك لدينا مؤخراً في صدور قانون جديد ، نظم الحق في تكوين الجمعيات المهنية والمنظمات الأهلية .

      ولأن الموضوع الذي تتعرضون لـه أصبح حديث الساعة ، فإن ما ستنتهون إليه سيكون محلاً لاهتمام واسع من دوائر عريضة ، رسمية وشعبية ، يهمها مستقبل هذه المنطقة ، التي يتأكد يوماً بعد يوم أن العالم يراقب أدق شؤونها عن كثب ، ويبدى استعداداً متزايداً لمساعدتها على إصلاح نفسها إن هي لم تأخذ المبادرة لذلك بيدها .

      إن منطقتنا العربية وهى تراجع ما آل إليه حالها، يلزمها منهج صريح ينفذ إلى كبد الحقيقة ، فلا يزين أو يزيف ، بل يصارح ويصحح ، يبدأ بنقد الذات قبل أن يلقي التبعة على الآخرين إقتداءً بقول الصديق أبا بكر خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم" أصلح نفسك يصلح لك الناس"، وهو منطق يشير بشجاعة إلى أن كثيراً مما ألم بهذه الأمة يعود إلى قيود ثقيلة فرضتها هي على نفسها حان لـها أن تنكسر ، وترسانةً من الحجج والذرائع المعادية للإصلاح صنعت محلياً ، حان لها أيضاً أن تنقضي .

      فلم يعد مقبولاً أن يتخذ الصراع مع إسرائيل ، أو انتظار السلام معها ، ذريعةً تبرر التباطؤ في الإصلاح ، لأن ذلك قد طال ويمكن أن يطول أكثر ، خاصةً وأن الغضب العربي لا تحركه القضية الفلسطينية بمفردها ، وإنما لـه روافد داخلية أخرى عميقة تمس صميم الأداء السياسي والاقتصادي في المنطقة . ولم يعد معقولاً أيضاً التذرع أمام العالم بالحرص على مصالحه في منطقتنا والقول بأن الإصلاح لو انطلق فسوف يزعزع الأمن ويهدد الاستقرار فيها ، بعد أن اكتشف هذا العالم بنفسه في السنوات الأخيرة أن مخاطر عدم القيام بالإصلاح تفوق بكثير كل المخاطر التي قد تصاحب القيام به .

      كذلك ، فإن التذرع بأن الدول العربية بينها من التفاوت والاختلاف ما يبرر لكل واحدة منها وصفةً إصلاحية مختلفة ، قول وإن انطوى على حق ، إلا أن الترويج المستمر لـه يفسح المجال أمام البعض للتملص من السير في طريق الإصلاح بحجة أن لديه ظروفاً خاصة ، بينما أن نجاح الإصلاح يتطلب ألا يُستثنى منه أحد أو يستبعد من طريقه بلد ، لاسيما وأن قاسماً مشتركاً أدنى من الإصلاحات هو ما يتعين على الكافة إنفاذه دون تردد أو مماطلة ، ليبقى بعد ذلك للخصوصيات كل احترامها ومكانتها .

      السيدات والسادة،

      إن الوضع العربي الراهن مثقل بتحديات جسام تدل على أن منطقتنا لم تصل إلى ما تقاسيه من خطوب وتحديات إلا لتوانيها عن الإصلاح ، وبعدها عن الديمقراطية . وليست التعقيدات المتوالية للقضية الفلسطينية ، وتبعات الأوضاع في العراق إلا شواهد قليلة تثبت أن الإصلاح كان ضرورة ملحة لم تلتفت إليها الأمة في التوقيت المناسب ، لتعانى اليوم من كل ما تلاقيه ، وليبقى الوقت بالنسبة لها بعد ذلك ، وكما يقول المثل العربي ، معلم من لا معلم له .

      وإذا كانت المنطقة بسبب توانيها قد شجعت الخارج على أن يعرض عليها مشروعات ، ويقدم إليها مبادرات تصلح من أحوالها ، فإن المستنيرين من أبنائها يبقون هم الأكفأ والأقدر على صياغة رؤية إصلاحية عربية مستقلة ، خاصةً وأن ذريعةً أخرى بدأت تعلو في بعض أرجاء المنطقة تدعو إلى محاربة الإصلاح بحجة أنه آتي من الخارج.

      إن دعاة الإصلاح السابقين في تاريخ هذه الأمة قدوة يجب تمثلها والاستلهام منها ، فقد تواصلوا مع الخارج ولم ينقطعوا عنه قط ، وتمسكوا بجذورهم فلم يتخلوا عنها أبداً ، لينقلوا تجارب الأمم الناهضة بإبداع واستنارة ، وليكونوا من أصحاب الرؤى الخصبة التي استلهمت التراث واستوعبت الحداثة.

      واليوم ، باستطاعتكم ، وأنتم تجددون الدعوة إلى الإصلاح ، أن تقدموا رؤيتكم بإبداع لا يقل عن جهود السابقين ، لتساعدوا على تصحيح العطب وترميم الكسر ، ولتؤكدوا للعالم أن منطقتنا قادرة على فرز وتنقية ما يقدم إليها ، بل وأن تصوغ بنفسها مشروعاً إصلاحياً قابلاً للحياة والنجاح ، ولتنبهوا في الوقت نفسه من يتوانى أو يتكاسل بأن هذا العالم بات أكثر جدية في التعامل مع منطقتنا ، وأشد إهتماماً بمضي الإصلاح فيها قُدماً دون إبطاء أو إرجاء

      والإصلاح كما نفهمه ، أيها الأخوة ، ليس بعملية تجميلية ، أو إجراءات شكلية ، وإنما هو بناءٌ لثقافة جديدة تحل محل ثقافة الهيمنة والجبروت التي أضرت كثيراً بهذه الأمة فأهدرت طاقات أبنائها ، وغربت كثيراً منهم عن أوطانهم ، وحرمتهم من حقهم في المشاركة والتعبير ، بل وأفرزت من بينهم من تسبب في إساءة علاقاتها بالعالم .

      إن ثقافة الإصلاح التي نقصدها تدعو إلي غرس قيم راسخة تقاوم الفساد وترسي الشفافية ، تبني المؤسسات وتحتكم للقانون ، تحترم المواطن وتصون الحقوق ، وتوسع دائرة الحوار وتفسح المجال أمام المشاركة في المسؤولية . وهى ليست بثقافة للقلة بل للمجموع ، أو ثقافة تخص المحكوم دون الحاكم بل هي للاثنين معاً ، فليست تصلح الرعية ، كما قال الأمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه ، إلا بصلاح الولاة ، ولا يصلح الولاة إلا باستقامة الرعية .

      وهذه الثقافة الجديدة لا ترد الأمل للأمة فحسب ، وإنما تعيد الروح إلى صحيح الدين لتؤكد أن من يرفض الديمقراطية باسم الإسلام ، إنما يرفض الإسلام ذاته ، ويضل عن رسالته الخالدة ، التي تَجَنّى عليها حَتّىَ بعض من أهلها ، فادعوا ظلماً وبهتاناً أنها تتناقض والديمقراطية ، التي اتهموها هي الأخرى بأنها فكر بداعي مستحدث ، متجاهلين أن الشورى من صميم الإسلام ، وأن الحرية ، والمسؤولية ، والمشاركة والنصيحة ، والحوار قيم رائدة وأصيلة في صميم دعوته السمحاء .

      فلم يكن الإسلام يوماً ليتعارض مع الديمقراطية أو يتناقض مع مسعى المصلحين لتشجيع الحريات ، لأن الدولة المصلحة والصالحة في تراثنا الإسلامي ليست حابسة للناس وإنما حارسة لهم ، تحميهم ولا تطغى عليهم ، فلا تختزل أدوارهم أو تلغيها ، وإنما تحملهم مسؤولياتهم وتدعوهم إلى المشاركة بالفكر والعمل ، وهى أيضاً لا تضفي على نفسها قداسةً أو تدّعي لنفسها عصمةً ، حتى تحفظ لله وحده صفات العظمة والجلالة ، ولتبدد تلك الغشاوة التي غمّت عيون الكثيرين فصاروا أحياناً لا يفرقون بين ما لله وما للبشر.

      إن الإصلاح ، أيها الأخوة ، ليس عملية تبدأ ثم تنتهي ، وإنما أسلوب تفكير متكامل ، وطريقة حياة شاملة ، حان لأمتنا أن تعيشها وتأخذ بها كي تشق طريقها وسط الأمم المتقدمة . فهذه الأمم لم تبلغ مكانتها لأنها أصلحت من نفسها مرة ، وإنما لأنها تحافظ على ما أصلحته مرة بعد مرة ، وتحرص على أن تصوب أخطائها في النور بدلاً من أن تواريها في الظلام .

      فإذا كان العالم قد استاء مؤخراً من تلك الانتهاكات البشعة التي ارتكبها نفر من العسكريين الأجانب في حق مجموعات من نزلاء السجون في العراق ، إلا أن هذا العالم عرف بتلك الأعمال المشينة بفضل أصوات علت ، وأقلام انتقدت ، وتحقيقات أجريت في الدول التي جاء منها هؤلاء المنتهكون ، لتكشف بنفسها تجاوزات تلك الفئة الضالة من أبنائها بدلاً من أن تخفيها و تتكتم عليها . ولعل منطقتنا ، وقد وجدت في تلك الجرائم ما أثار غضبها وامتعاضها ، تجد أيضاً في الكشف عنها والتحقيق فيها ما يثير لديها الرغبة في تعلم أصول المصارحة وتجنب المواربة خاصةً وهى تحاول الآن أن تطور نفسها وتصلح من أحوالها .

      السيدات والسادة،

      إن السائرين في طريق الإصلاح حتى ولو تعثرت أقدامهم بعض الوقت ، يبقون دائماً من أهل العزيمة والإرادة ، يخلصون لقضيتهم دون تبرم أو كلل، خاصةً وأن فرصةً مواتية تلوح أمامهم الآن للنجاح بفضل عدالة المقصد والإصرار على المثابرة. وإذا كان نجاح الإنسان يتوقف على مسعاه، فإن مسعاكم في هذا المؤتمر بإمكانه أن يقطع شوطاً هاماً في رحلة هذه المنطقة لإصلاح ذاتها وتأكيد مكانها كشريك مع الأمم المتقدمة.

      أرحب بكم ، وأرجو لمؤتمركم التوفيق والرشاد ،

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،