بسم الله الرحمن الرحيم

 

أصحاب السعادة

الحضـــور الكـــــــرام ،

      يأتى إنعقاد مؤتمر قطر للديموقراطية والتجارة الحرة هذا العام فى ظروف مغايرة لتلك التى عاشتها منطقة الشرق الأوسط منذ أن انتظم هذا الملتقى قبل ثلاثة سنوات . ولعل من يتابع التطورات التى حدثت فى الفترة ما بين المؤتمر الأخير وملتقاكم الرابع فى الدوحة اليوم ، يمكنه أن يرصد مجموعةً من التحولات الرئيسية ، لا تخلو من دلالات هامة ، بالنسبة لمستقبل الديمقراطية فى المنطقة.

      ففى العام الماضى ، انعقد المؤتمر وكان العراق يمر لتوه بالأيام الأولى من غزوه . وقد فات الآن عام على إحتلاله ، شكل منعطفاً يستدعى من أبنائه التجرد من الولاءات الضيقة ، والسعى الحثيث إلى بناء مستقبـل ديمقراطى يقدم دروساً مفيدة فى الإصلاح والتطوير .

الحضـــور الكـــــــرام ،

      إن أحد ثوابتنا الإستراتيجية هو الدفاع عن حق الشعب الفلسطينى فى بناء دولته المستقلة التى تعيد إليه كافة حقوقه المشروعة ، وتحميه من الصلف والتوحش اللذان وصلت إليهما ممارسات إسرائيل .

      لقد ولد الإخفاق فى حل القضية الفلسطينية غضباً متراكماً فى منطقتنا لا يمكن لأحد أن يتجاهله ، وهو ما أكدته مؤخراً مشاعر الإحباط إزاء إستخدام الولايات المتحدة حق النقض فى مجلس الأمن ضد مشروع قرار ، كان يهدف إلى إدانة جريمة إسرائيل الوحشية بإغتيال الشيخ أحمد ياسين.

      ومع هذا ، فإن الأمانة تقتضى أن نؤكد على أن جذور الغضب فى منطقتنا لا تخرج من القضية الفلسطينية وحدها ، وإنما تضرب بعيداً فيما هــو أعمق ، وتعود إلى مشكلات لدينا نحن لا علاقة لها بالخـارج ، تركناها تتراكم دون علاج ، وتتكدس دون مراجعة .

      وعلى هذه الأسس قررنا أن نبني دولة عصرية تعتمد المشاركة الشعبية من خلال المؤسسات الدستورية وحكم القانون ، وتهيئة كل الظروف اللازمة للنهضة الشاملة لبلدنا 0 ومن المقرر إجراء انتخابات عامة في المستقبل القريب لتشكيل " مجلس الشورى " ، الذي يمثل البرلمان المنتخب ، وفقاً لما نص عليه الدستور الدائم الذي يكفل الحقوق المتساوية للمرأة ، وحرية التعبير ، وحرية الصحافة ، وحرية العبادة ، وحرية تشكيل الجمعيات ، والحق في التعليم ، وغيرها من الحقوق الأساسية للمواطنين 0

      لقد انتشر فى منطقتنا ، ولسنوات طويلة ، طرح يسرف فى التذرع بما يفعله الآخرون من أجل تبرير التوانى عن الإصلاح ، و تقديم الأعذار عن عدم اللحاق بركــب التقـدم . فتارة قيل أننا تأخرنا بسبب السيطرة العثمانية ، وتارة أخرى قيل أن الاستعمار الغربي وما خلفه فينـــا من أثار هو المسؤول عما وصل إليه حالنا ، أو أن الإصلاح ليس أمامه إلا الإنتظار حتى تتحقق التسوية السلمية للصراع مع إسرائيل.

      وأحسب أن مراجعةً كبرى باتت لازمة فى هذا الشأن ، فالتسوية السلمية والإصلاح ليسا بديلين نختار بينهما ، وإنما أولويتان ينبغى العمل من أجلهما معاً بكل جد وأمانة ، على أن لا يصبح أحدهما دائماً رهن بالآخر ، خاصةً أن دولاً ومجتمعات أخرى ، عانت مثلما عانينا من الاستعمار والتبعية والحماية ، ولكنها أصلحت نفسها فانطلقت وتقدمت بثبات نحو الحداثة وحكم المؤسسات .

      إن أفاقاً واسعة تبدو مفتوحة اليوم أمام بلداننا العربية يمكن من خلالها ، برغم تراكمات الأمس وتعقيداته ، أن تثبت أنها قادرة على أن تصلح نفسهــا ، وتتقدم لتبنى نموذجها الديمقراطى المناسـب ، وأن تظهر للعالم أن جهودها ليست بأقل مما بذلته دول سبق وتكبدت آلام الماضى ، مثل ماليزيا والهند وسنغافورة ، لكنها سمت عليها ووضعتها خلفها ، فنمت ونهضت إقتصادياً وسياسياً.

الحضـــور الكـــــــرام ،

      إن دولتنا تسترشد دائماً بجوانب تراثها العربى الإسلامى التى تعلى قيم التجديد والنهضة ، وتتفاعل فى نفس الوقت مع إسهامات الفكر والتراث الإنسانــى ، لا سيما وأن قطر قطعت خلال السنوات الماضية شوطاً على الطريق نحو تعزيز المشاركة الشعبية ، وهو ما تجسد فى إبريل المنصرم من خلال الإستفتاء على مقترح الدستور الدائم ، الذى جاءت مواده لتكفل الحقوق ، وتصون الحريات ، وتبنى دولة المؤسسات وحكم القانون ، وتمهد عن قريب لإجراء إنتخابات برلمانية يشارك من خلالها المواطنون فى تشكيل مجلس للشورى ، يساعد على الإرتقاء بمجمل العمل العام .

      وقد عزز ذلك إيمان بلدنا بأن ما يدور فى الآونة الراهنة من حديث عن الإصلاح يؤكد قناعتنا الثابتة في حاجة منطقتنا إلى أن تشهد فجراً جديداً تتأهل فيه الشعوب إلى المشاركة الواعية وتحمل المسؤولية بصدق وإخلاص.

الحضـــور الكـــــــريم ،

      إن الدعوات القادمة من الخارج إلى الإصلاح تحتاج من أبناء منطقتنا إلى وقفة وتبصر ، لا سيما وأن ما يطرح يؤكد من جديد مدى أهمية تلك المنطقة ومركزيتها فى العالم .

      إننا ندعو عند النظر فيما يعرضه الآخرون أن لا يسود الإرتياب تفكيرنا ، وأن لا تطغى اللهفة علـى مواقفنــا ، بل الأوجب أن يأتى التعامـل متوازنــاً ، يسمح بالإنفتاح على ما يعرض من أفكار ، فيتم دراستها بعناية ، حتى إذا قبلت كان قبولها مطمئنـاً ، وإذا رفضت كان رفضها مبرراً ، يُعمِل العقل قبل النقل ، والتفكير قبل التنفير ، وقبل هذا وذاك يميز المقاصد والنوايا ، فإذا كانت هذه المقاصد حسنة ، وهذا ما نأمله ، لتوجب التعامل مع ما يطرح بصدر رحب وعقل مفتوح ، وهو ما بات فى حاجة إلى دور أكبر من المواطن العربى ، الذى يستطيع من خلال مشاركته المسؤولة فى صنع القرار ، أن يساعد بلدانه على تفادى ما يحدق بها من تهديدات ، ويضمن أن تتضافر جهودها ، وتأتى مؤتمراتها على مستوى من الرقى والقمة ، فلا تتأجل يوماً أو تتعثر.

الحضـــور الكـــــــرام ،

      إن أصواتاً عالية تخرج من أركان منطقتنا منذ سنوات طويلة، تحاول أن تصب فى أذان العالم فكرة بعينها عن علاقة الديمقراطية بالأمن والسلام ، تدعى أن توسيع الأفاق أمام المشاركة الشعبية لو تم فى هذه المنطقة فلن يأتى إلا بمن يهدد السلام ، ويقضى على الأمن.

      إلا أن الأقرب إلى الحقيقة هو أن تبني الإصلاح كان دائماً الطريق الحق إلى الاستقرار، والنهج الصائب في الارتقاء بآمال الأوطان والشعوب. فالمشاركة كلما اتسعت زاد إحساس المواطنين بالمسؤولية، واستقر في وعيهم مفاهيم الانتماء ومشاعر التفاني من أجل أوطانهم التي باتت في منطقتنا تتطلع إلى غد أفضل ومستقبل يضعها في المكانة التي تليق بها.

الحضـــور الكـــــــرام ،

      أرحب بكم فى الدوحة متمنياً لكم النجاح والتوفيق

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،