بسم الله الرحمن الرحيم

 

بسم الله العلي القدير ، وعلى بركته ، أعلن افتتاح الدور الثاني والثلاثين لمجلس الشورى 0

الأخوة الكرام أعضاء مجلس الشورى ،

      نلتقي اليوم ، كما اعتدنا كل عام ، لنستعرض معاً ، ما حققناه في عام مضى ، وما نتطلع إلى تحقيقه , بإذن الله ، لإدراك الغايات التي ننشدها لوطننا الغالي من رفعة وتقدم ورخاء لمواطنينا الأعزاء 0

      وكما تعلمون ، فإننا نتبع في سبيل تحقيق أهدافنا الوطنية في التنمية الشاملة نهج التخطيط ، وتحديد الأولويات ، والاستخدام الأمثل لمواردنا المتاحة 0

      وإن طموحاتنا في بناء دولة حديثة عصرية ليست مجرد آمال ، وإنما ترافقها خطوات عملية ، ندرك أنها ما لم تكن مواكبة لسرعة المتغيرات العالمية فإننا سنظل بعيدين عن اللحاق بها ، وسيكون ما نحققه في الغد قد تجاوزه الزمن 0 ولذلك فإن البطء في التعامل مع متطلبات التنمية الشاملة لبلدنا ، خطأ ينبغي تجنبــه 0

حضرات الأخوة ،

      إن الحدث الأهم على الساحة الداخلية ، منذ أن التقينا في العام الماضي ، هو الاستفتاء على مشروع الدستور الدائم الذي نال موافقة شعبية واسعة ، تؤكد أن أحكامه جاءت ملبية لرغبات وتطلعات شعبنا في إقامة دولة المؤسسات المبنية على مبدأ الفصل بين السلطات ، والتي تعتبر المشاركة الشعبية ، ممثلة في مجلس الشورى المنتخب ركناً ركيناً فيها ، كما تؤكد قناعة شعبنا بالمبادئ والأسس التي تضمنها ذلك الدستور 0

      إن الدستور الدائم بما كفله كذلك من توازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ، وبين الحقوق والواجبات العامة ، وبين مصالح الفرد ومصالح المجتمع ، وما تتميز به أحكامه من خصوصية تعكس واقعنا وما توارثناه من تقاليد ، وقيم مجتمعنا وعاداته في إطار شريعتنا الإسلامية الغراء ، يمثل بداية مرحلة هامة في عملنا الوطني نثق تمام الثقة في أنها ستعود على بلدنا بكل الخير 0 وإننا نتطلع إلى إنجاز القوانين المكملة للدستور ، والأجهزة التي نص على استحداثها كالمحكمة الدستورية وتحديد الدوائر الانتخابية , حتى يتسنى لنا إصداره والعمل بأحكامه 0

      ونظراً للأهمية القصوى للتعليم والصحة في حياة المواطنين فإننا بصدد دراسة إمكانية إنشاء وقفية لكل منهما لكي تؤمن عائداتها إستقراراً في التمويل اللازم لهما , حتى نجنبهما أية آثار سلبية لما قد يحدث من أزمات اقتصادية في العالم قد تنعكس علينا 0

الأخوة الأعــــزاء ،

      إن وجه الحياة في قطر يتغير يوماً بعد يوم وإلى الأفضل ، ولله الحمد والمنه . فنحن جميعاً نلمس هذا التغيير في مختلف نواحي الحياة 0 والدولة ما زالت تعمل جاهدة لتهيئة الظروف المناسبة لذلك 0 إلا أن الأمر يتطلب أيضاً أن يشمل ذلك التغيير العديد من المفاهيم السائدة ، فلقد ظلت الدولة منذ الاستقلال الطرف الأساسي الوحيد على الساحة الاقتصادية لأسباب عدة ، لعل أهمها أن دخل الدولة من النفط كان هو العنصر الرئيسي في الدخل القومي 0 إلا أننا ، وقد اخترنا طريق التنمية الشاملة سبيلاً للنهوض ببلادنا ، نسعى إلى تنويع مصادر الدخل القومي بخلق موارد أخرى مهمة يكون للقطاع الخاص دور كبير في تحقيقها . ولم يعد مقبولاً لذلك أن نتمسك بالقناعة القائلة أن الدولة يجب أن تتولى كل شيء 0فإذا كانت التنمية الشاملة لبلادنا هي هدفنا جميعاً شعباً وحكومة ، فإن مسئولية تحقيقها تقع على عاتق كل فرد منا أياً كان موقعه 0

      ولقد شهدت الفعاليات الاقتصادية في العام الماضي نشاطات ملحوظة ذات مؤشرات إيجابية على جميع الأصعدة 0

      فعلى صعيد الاقتصاد الكلي واصل الناتج المحلي الإجمالي نموه بمعدل مقبول يجعل معدل دخل الفرد في قطر من المعدلات المرتفعة في العالم 0

      ومن ناحية أخرى حقق الميزان التجاري فائضاً ، كما واصل معدل التضخم انخفاضه للعام الخامس على التوالي حتى وصل إلى معدل يقارب الصفر 0

      أما على الصعيد القطاعي فما زال قطاعا النفط والغاز يمثلان أهم مصادر تمويل عملية التنمية مع تزايد ملحوظ لدور الغاز الطبيعي . فقد استمر العمل على زيادة احتياطياتنا من النفط ، وحققنا قفزة كبيرة على طريق الاستغلال الأمثل للغاز الطبيعي عن طريق رفع الاحتياطي وزيادة إنتاج الغاز المسال والنفاذ إلى الأسواق العالمية وتنويع أساليب التصدير 0

      وقد أسفرت عملية إعادة تقييم احتياطي حقل الشمال من الغاز عن مضاعفة التقديرات السابقة تقريباً بما يجعل من حقل الشمال أكبر حقل منفرد في العالم ويضع قطر في المرتبة الثانية أو الثالثة عالمياً من حيث حجم احتياطي الغاز الطبيعي 0

      كما أننا مستمرون في التوسع في صناعة البتروكيماويات والأسمدة القائمة وفي إقامة مشاريع جديدة في الصناعات اللاحقة من أجل تحقيق الهدف الذي ننشده وهو زيادة القيمة المضافة للصناعات القائمة وتنويع مصادر الدخل ونقل التقنية الحديثة وتطوير واستخدام العمالة الوطنية 0

      وكما ذكرت في كلمتي أمام مجلسكم الموقر في العام الماضي ، وإيماناً منا بضرورة زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني ، فقد قامت الدولة بتخصيص جزء من بعض مشروعات القطاع العام في صناعة البتروكيماويات والأسمدة والحديد والصلب والمنتجات البترولية ونتج عن ذلك إنشاء شركات جديدة، وسنستمر في عملية الخصخصة في المستقبل كلما حانت الفرص المناسبة لذلك ، ولقد حرصنا على تعزيز هذا التوجه إيماناً منا بأهمية ترسيخ ثقافة الإدخار ، وتوسيع قاعدة المستفيدين من المواطنين في مجال الخصخصة0

      وفي هذا الصدد ، أود أن أحث المواطنين والمواطنات على اللجوء إلى تخطيط إنفاقهم وادخارهم تخطيطاً حسناً من أجل ضمان حياة كريمة ومستقرة لأجيال المستقبل .

حضرات الأخوة أعضاء مجلس الشورى ،

      وفي مجال علاقاتنا وسياساتنا الخارجية ، تأتي في مقدمة الأولويات تعزيز علاقاتنا مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الشقيقة وتعميق أواصر الأخوة والتكامل معها . وإننا نتطلع إلى الاجتماع المقبل لقمة مجلس التعاون التي ستعقد في دولة الكويت الشقيقة ، ونحن على يقين بأن رعاية صاحب السمو الأخ الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح لهذه القمة وحكمته ستساهم في إنجاحها والخروج منها بنتائج إيجابية تسهم في تحقيق التكامل والتلاحم بين دول المجلس وتلبي طموحات وتطلعات شعوبنا بما يعزز الأمن والاستقرار والتنمية وتكريس المصير الواحد المشترك 0

      كما أننا حريصون أشد الحرص على تعزيز علاقاتنا الأخوية مع جميع الدول العربية الشقيقة التي هي اليوم أحوج ما تكون إلى توحيد صفوفها ومواقفها وتعميق تضامنها لمواجهة ما تتعرض لـه من تحديات ومخاطر وللتغلب على حالة الضعف والتفكك والعجز التي تعاني منها 0

      وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ، قضيتنا القومية الأولى ، فإننا نرى أن ممارسات إسرائيل ضد أبناء الشعب الفلسطيني تشكل تصعيداً خطيراً وتهديداً للأمن والاستقرار في المنطقة يهدف إلى تنفيذ مخططاتها الرامية إلى القضاء على أية فرصة لتحقيق السلام ، وإجهاض خارطة الطريق ، والتهرب من استحقاقات عملية السلام 0 ونحن إذ نحيي صمود الشعب الفلسطيني لنؤكد دعم دولة قطر لـــه في نضاله المشروع للحصول على حقوقه الوطنية وإقامة دولته المستقلة ، وعاصمتها القدس الشريف 0 ونطالب المجتمع الدولي ، واللجنة الدولية الرباعية ، بتوفير الحماية الدولية له ، وتمكينه من ممارسة حقوقه الوطنية الثابتة ، ووقف كل ما من شأنه عرقلة الجهود المبذولة لإقرار السلام العادل والشامل وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ، وخطة خارطة الطريق وإلزام إسرائيل بالوفاء بتعهداتها ، والانسحاب من الأراضي السورية في الجولان وبقية الأراضي اللبنانية المحتلة 0

حضرات الأخوة ،

      إن ما يواجهه الشعب العراقي الشقيق من ظروف ومصاعب وتحديات تتطلب منا التضامن معه ، والوقوف بجانبه ومساعدته بكل ما نستطيع ، وفي هذا الإطار فإننا رحبنا بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي والوزارة التي تم تشكيلها ، آملين أن يتمكن من تحقيق طموحات الشعب العراقي في صياغة دستور جديد ، وإجراء انتخابات حرة ، وبناء مؤسسات دستورية بما يحقق أماني هذا الشعب الشقيق وتطلعاته الوطنية في أن يحكم نفسه بنفسه في عراق مستقل وموحد 0

      كما نرحب بنجاح المفاوضات التي تجري لتحقيق السلام في جنوب السودان بين الحكومة السودانية وحركة التمرد آملين أن يتم التوصل قريباً إلى اتفاق نهائي بين الجانبين حتى يتفرغ شعب هذا البلد الشقيق لتنمية بلاده 0

      كما أننا نتطلع إلى أن يتوصل الأشقاء في الصومال إلى إجماع حول حكومة وطنية تمثل جميع فئات الشعب الصومالي الشقيق ، بما يحقق للصومال وحدته واستقلاله وسيادته على أرضه 0

      ولا يسعني في نهاية كلمتي إلا أن أتوجه إليكم ببالغ الشكر على جهودكم المخلصة وعملكم الدؤوب في خدمة هذا الوطن ، مقدراً لكم كل التقدير ، ما أرسيتموه من تقاليد في ممارسة العمل التشريعي منذ إنشاء هذا المجلس ، وإنني لعلى ثقة من أن إنجازاتكم في هذا السبيل وما حققتموه من رصيد تشريعي ثري وخبرات مكتسبة ستكون الأساس الصلب لعمل مجلس الشورى الجديد في ظل الدستور الدائم والمرجعية التي يهتدي بها في ممارسته لمهامه 0

وفقكم الله 0 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 0