بسم الله الرحمن الرحيم

 

أيها المواطنون ،

      تمر الأمم والشعوب بمراحل هامة وحاسمة في تاريخها ونحن اليوم في قطر نعيش مرحلة تاريخية من مراحل مسيرة وطننا العزيز نحو التقدم وبناء دولة القانون والمؤسسات .

      فلقد ظل هدفي وغايتي ومنذ أن توليت مسؤولية الحكم في البلاد ، وحملت أمانته وتبعاته ، أن أحقق ما عاهدت الله وعاهدتكم عليه بأن أبذل كل ما أستطيع من جهد لرفعة هذا الوطن وتقدمه ، وأن أبدأ معكم عهداً نواصل العمل فيه بكل ما نملك من قوة ، وبكل ما نستطيع من قدرة لبلوغ هدفنا السامي في بناء دولة مزدهرة مستقرة ، قوامها الدين والأخلاق ، عمادها العلم والمعرفة ، أساس حكمها العدل والدستور.. ولأن الإنسان القطري ورفاهيته محور اهتمامنا وشغلنا الشاغل ، ركزنا على التعليم ، الوسيلة الأولى لبناء الإنسان المعتز بقيمه ووطنه وتراث أجداده ، القادر على التعامل مع متطلبات عصره والمساهم في تطوير علومه والمتعامل بمرونة واقتدار مع مجرياته . فحققنا ، ولله الحمد والمنة ، خطوات هامة في هذا المجال . كما وحققنا ، وبفضل من الله ، وبدعم وجهد منكم ، الكثير مما نطمح إليه في المجالات الأخرى وبالأخص في مجال التنمية الاقتصادية التي هي ركيزة كل تقـــــدم ورفاهية .

أيها المواطنون ،

      إن عز هذا الوطن وازدهاره ، أمنه وسلامته ، حاضره ومستقبله ، مسؤولية مشتركة علينا جميعاً وهذا يتطلب وبالضرورة خلق مناخ صحي قوامه حرية التعبير المسؤول ، وإقرار مبدأ المشاركة الشعبية في صنع القرار . ومن هنا بدأ اهتمامنا ، ومنذ سنوات ، باتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك ، حيث تم إلغاء وزارة الإعلام وتم رفع الرقابة على المطبوعات ، وصدر قانون انتخاب المجلس البلدي المركزي وتم انتخاب أعضائه بالاقتراع السري المباشر . واستكمالاً لهذا النهج ، بادرنا بإصدار قرار بتشكيل لجنة من ذوي الرأي والخبرة والكفــــاءة من أبناء هذا الوطن ، لوضع مشروع دستور دائم للبلاد وكما تعلمون فقد توجت اللجنة جهودنا التشريعية لبناء دولة القانون والمؤسسات ، وانتهت ، بتوفيق من الله وعون منه ، وبعد ثلاثة أعوام من عمل متواصل ، وجهد يستحق الثناء ، من وضع مشروع دستور دائم لدولة قطر ، يرسي دعائم المجتمع ، ينظم شؤون الدولة ، يجسد المشاركة الشعبية ، يبني المؤسسات الديمقراطية، يرسخ الإنتماء للوطن ، يؤكد الواجبات ويضمن الحقوق والحريات .

أيها المواطنون ،

      لقد كانت الشورى على الدوام عاملاً أساسياً من العوامل الحيوية المكونة لطبيعة المجتمع العربي والإسلامي ، ولنوعية العلاقات السياسية والاجتماعية والثقافية التي ميزت ذلك المجتمع وساهمت على مر العصور في تعزيز لحمته ونسيجه ، بل إن الشورى كانت معروفة وممارسة لدى العرب في زمن ما قبل الإسلام . كما كان الأمر عليه في " دار الندوة في مكة المكرمة " التي كانت تشكل ملتقى للحوار والتشاور والتداول بين القبائل وأهل الحل والعقد وأصحاب الفكر والشعر الذي لم يقتصر على المدح والهجاء فقط بل تناول كل نواحي الحياة والأحوال المعيشية للإنسان العربي ، فإذا صعبت قضية اجتمع الرؤساء من كل قبيلة وتشاوروا وفصلوا فيها .

      وقد استمر هذا التراث التاريخي بعد أن أعز الله العرب بالإسلام ، لا سيما أيام الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وفي عهد الخلفاء الراشدين ( رضي الله عنهم ) ، فقد جعل الإسلام من الشورى مبدأ إلزامياً في الحكم وركناً لا بد منه من أركان السلطة الصالحة في إدارة شؤون الأمة وتسيير أمورها بل من أهم المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام السياسي .

      من هذا المنطلق ، فإن الإلتزام بالشورى ، والتأكيد على حسن تطبيقها ، كأساس للحكم ، وكضمانة للعلاقة بين الحاكم والمجتمع ، إنما هي تكريس للإلتزام بمبادئ الحكم الصالح التي دعا إليها الإسلام وعلمنا أصولها . فمن خلال هذه المبادئ ، وبفضلها ، تصبح المشاركة الشعبية المسؤولة في عملية اتخاذ القرارات وإدارة المجتمعات حقيقة واقعة على طريق بناء الدولة الحديثة القائمة على حكم الدستور والقانون والمؤسسات والعدالة السياسيـــــة والاجتماعيــــة ، والقادرة على التعامل والتفاعل بإيجابية مع عالمنا الذي نعيش فيه سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعلمياً وحضارياً .

      ولا شك أن الحاجة في أمتنا العربية والإسلامية للعمل بهذه المبادئ تعد ضرورية وماسة . فلو كانت المشاركة الشعبية والمؤسسات الدستورية والديمقراطية ومبادئ العدالة السياسية والاجتماعية هي السائدة ، لما وصلت أوضاع الأمة إلى ما هي عليه الآن ، ولكانت دولنا ومجتمعاتنا قادرة على ممارسة دورها المؤثر والطبيعي في المجتمع الدولي بفاعلية ومصداقية ، نابعة من اعتزاز المواطن بالإنتماء إلى وطنه وتطلعه إلى مستقبل افضل يشارك في تخطيطه وصنعــــه .

المواطنون الكرام ،

      إننا وامتثالاً لقوله سبحانه " وشاورهم في الأمر " و " أمرهم شورى بينهم " وإيماناً منا بأهمية رأيكم ، وسعياً لحاضر ومستقبل أفضل للوطن والمواطنين والأجيال القادمة ، أصدرنا مرسوماً بدعوتكم للإستفتاء على مشروع هذا الدستور وأحثكم على التصويت عليه يوم غد بما ترون ، فهو منكم ولكم فقولوا كلمتكم . ونحن مطمئنون من جانبنا بأن فيه مصلحة واستقرار للبلاد وخير للوطن والمواطنين بإذن الله .

      نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا ، وأن يأخذ بأيدينا جميعاً لما فيه عز هذا الوطن وخيره ورفعة شأنه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،