بسم الله الرحمن الرحيم
باسم الله العلي القدير، وعلى بركته سبحانه وتعالى، أعلن افتتاح الدور الحادي والثلاثين لمجلسكم الموقـــــر،
الأخـــــوة الكـــــرام،
ونحن نلتقى في رحاب مجلسكم الموقر لا بد لي أن أتوجه إليكم بالشكر الجزيل على مجهوداتكم الدائمة ومساهمتكم القيمة في إثراء العمل التشريعي بما يتفق مع المصلحة العامة، مدركين في الوقت نفسه حرصنا جميعاً على خدمة بلادنا والسعي الدؤوب لرقي مجتمعنا وتنميته بما يتلائم وتطلعنا لما فيه خير مواطنينا وازدهار بلادنا.
إن استراتيجيتنا في تحقيق التنمية تقوم على محاور ثلاث: هي بناء الإنسان القادر على التعامل مع متطلبات عصره، وبناء مؤسسات الدولة القادرة على تحقيق التنمية وقيادة التقدم، وبناء الاقتصاد الوطني الذي أصبح هو العمود الفقري في قوة الدولة الحديثة ورخائها. واسمحوا لي أن أبدأ ببناء الإنسان باعتباره اللبنة الأولى في المجتمع وركيزة كل تقدم وتنمية.
لقد تحدثت إليكم، أيها الأخوة الأعزاء، في مناسبات سابقة عن أهمية تطوير نظامنا التعليمي، ولا شك أننا حققنا خطوات هامة في هذا المجال، إلا أن الاقتصار على الإطار التقليدي لم يعد كافياً. ولذا فقد تم إنشاء المجلس الأعلى للتعليم، ليكون هو السلطة العليا المختصة بتطوير التعليم بما يكفل تلبية احتياجات الدولة من الموارد والكفاءات البشرية المتميزة في مختلف المجالات، ومنح المجلس من الصلاحيات ما يتيح لــه، بمعاونة الهيئات المتخصصة التابعة لـــه، رسم وتطوير سياسة التعليم وربطها برؤى وأهداف وخطط التعليم في اطار السياسة العامة للدولة.
من ناحية أخرى فقد أصبح من الضروري مساندة جهود الدولة بجهود أخرى إضافية، خاصة أو عامة، واقتحام مجالات تمثل اهتمامات العصر ووسائله بالإستعانة بالخبرات العالمية التي تقصر عنها إمكانياتنا الذاتية. وفي هذا الإطار فقد بدأنا باتخاذ الخطوات الضرورية، لتوطين علوم العصر ومعارفه ومؤسساته في قطر، وتم اتخاذ خطوات أساسية في هذا السبيل.
بيد أن بناء الإنسان لا يكون بإتاحة أفضل سبل التعليم فقط، فالإبداع والتفوق لا بد لهما من مناخ صحي يقوم على حرية التعبير
المسئول، والإحساس بالإنتماء الذي لا يتحقق إلا بالمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، ومن هنا كان اهتمامنا في السنوات الماضية باتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك، والمعروفة لكم جميعاً، ابتداءً برفع الرقابة عن وسائل الإعلام، وانتهاء بوضع دستور دائم يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات وينشئ مجلساً تشريعياً منتخباً. وإذ ندرك تماماً أن للإنتقال إلى مناخ الحرية تبعاته ومسئولياته التي يتحملها الجميع، فإن مثل هذه التجربة قد يشوبها، خاصة في بدايتها، بعض السلبيات أو التجاوزات، إلا أن الإيجابيات التي تتحقق لبلادنا بمجتمع منفتح لا يعرف التفرد بالرأي، ويعتمد أسلوب الحوار الهادف إلى تحقيق المصلحة العامة، تفوق كل السلبيات التي ستتلاشى تدريجياً باشتداد عود المشاركة الشعبية وتأصل جذورها.
الأخوة أعضاء مجلس الشورى،
وفيما يتعلق بمؤسسات الدولة فإننا لا نرى أن الأمر يتعلق فقط بمعالجة أوجه القصور في أداء الأجهزة الحكومية، وتخليص العمل الحكومي مما يعترضه من شوائب الروتين وبطء الأداء، بل إننا نرى أن تطوير الأجهزة الحكومية بما يتلائم مع المستويات العصرية بات من الأولويات الملحة،
وهو ما يتطلب تحقيق أمرين هما: إعادة تنظيم تلك الأجهزة وتطوير طريقة أدائها لمهامها، وتوفير الإطار التنظيمي والتشريعي المناسب الذي تعمل هذه الأجهزة في ظله.
ومن ناحية أخرى فقد اتخذت الدولة خطوات أساسية في مجال إدارة بعض المرافق الحيوية من خلال هيئات ومؤسسات عامة لا تتقيد بالقواعد والنظم الحكومية، فصدرت لذلك القوانين الخاصة بإنشاء الهيئة العامة للطيران
المدني، والهيئة العامة للجمارك والموانئ، والمؤسسة العامة للبريد عوضاً عن الأجهزة الحكومية التي كانت تتولى إدارة هذه المرافق في نطاق وزارات الدولة، وذلك بهدف الوصول إلى افضل المستويات من حيث الكفاءة والمقدرة وبما يكفل تحقيق أهداف التنمية الاجتماعية، وتمهيداً للنظر في تخصيص بعض الخدمات العامة في مرحلة لاحقــــــة.
حضرات الأخــــــوة،
وفيما يتعلق باقتصادنا الوطني فقد بدأت استراتيجية التنمية الاقتصادية التي تبنتها الدولة خلال السنوات القليلة الماضية تؤتي
ثمارها، حيث شهد الناتج المحلي الإجمالي معدلات نمو عالية، الأمر الذي أدى إلى مضاعفة هذا الناتج خلال الفترة من 1995 إلى 2001، واعتمدت هذه الاستراتيجية على خطة للاستثمار في الموارد الرئيسية للدولة وهي النفط والغاز. ونتيجة لهذه الخطة تم تنفيذ عدد كبير من المشاريع الضخمة في مجالات النفط والغاز والبتروكيماويات التي تمكنت منتجاتها من دخول الأسواق العالمية بكل نجاح، ونحن مستمرون في زيادة حجم هذه الاستثمارات مع التركيز على الصناعات اللاحقة من أجل زيادة التكامل الاقتصادي المحلي وكذلك على التقنيات الجديدة، كتحويل الغاز إلى سوائل، والتي تعطينا فرصاً متنوعة في استغلال وتصدير الغاز، ثروتنا الطبيعية الأولى.
وتقوم الحكومة ببذل كل الجهود الممكنة للاستمرار في تطوير البنية التحتية وتحسين المناخ الاستثماري المناسب للقطاع الخاص، وزيادة الانفتاح لتعزيز الثقة القائمة في الاقتصاد القطري وجذب المزيد من الاستثمارات خاصة في المشاريع المتوسطة والصغيرة ذات الجدوى، وبدأنا نشهد نتيجة لتلك الجهود نشاطات ملموسة للقطاع الخاص المحلي في مجالات عدة منها الاتصالات والكهرباء والنقل الجوي والبحري والمشروعات السياحية والصحية، وإننا نتطلع إلى اليوم الذي تمتد فيه أنشطة القطاع الخاص، إلى معظم المجالات ليقوم بدوره كاملاً في عملية التنمية.
إن برامج الخصخصة هو البعد الآخر لزيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني، ويمكن القول أن هذا البرنامج يشكل مجالاً رحباً لمساهمة القطاع الخاص في المشاريع الحكومية القائمة، وبناءً على هذا البرنامج سيتم خصخصة جزء من صناعة البتروكيماويات والأسمدة والحديد والصلب خلال العام القادم.
إن الهدف من هذه الاستراتيجية، هو تنويع مصادر الدخل وإيجاد اقتصاد قوي ومتوازن، نأمل أن يكون قادراً على تحويل معدلات النمو الاقتصادي، التي تحققت في السنوات الماضية، إلى معدلات مستدامة تتأثر بشكل اقل من السابق بتقلبات أسعار النفط العالميـــــــــة.
حضرات الأخـــــوة،
لقد توجت لجنة إعداد الدستور الدائم جهودنا التشريعية لبناء دولة القانون والمؤسسات بالانتهاء من وضع مسودة الدستور الدائم لدولة قطر في الأجل المحدد، ولم يكن ذلك بالأمر اليسير فقد بذلت اللجنة جهوداً كبيرة تستحق الثناء والتقدير. وجاءت مسودة ذلك الدستور محققة لغاياتنا في إرساء دعائم دولة المؤسسات وكفالة حقوق وحريات أبناء هذا الوطن، وتجسيد المشاركة الشعبية، والحفاظ على تراثنا الحضاري الذي نعتز به.
وليكون البناء كاملاً، فإننا نعمل الآن على إعداد القوانين المكملة للدستور، وآمل أن ننتهي، قريباً من إنجاز هذا العمل التشريعي المتكامل لنبدأ حقبة جديدة من مسيرتنا الوطنية في ظل الدستور الدائم الذي سيضع الأساس الصلب لتحقيق كل ما نصبو إليه من تقدم وازدهار.
الأخوة أعضاء مجلس الشورى،
كلنا يعرف جسامة التحديات التي تواجه أمتينا العربية والإسلامية ونحن نرى أنه أصبح من المتعين علينا أن نتجاوز مرحلة ردود الفعل وأن نأخذ بزمام المبادرة في قضايانا المصيرية التي باتت تهددنا بأفدح الأخطار، ولعل من أهم تلك التحديات، ما يتعرض لـــه العرب والمسلمون بصفة عامة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، من هجمة شرسة تطال عقيدتهم، وتهدف إلى الصاق تهمة الإرهاب بهم، وتضع حضارتهم في موضع التصادم مع الحضارة الغربية في إطار ما سمي بصراع الحضارات، وكلنا نعرف مدى ما وصلت إليه المفاهيم الخاطئة عن الإسلام والمسلمين، ولقد رأينا لذلك أنه من واجبنا أن نبدأ بخطوة تتجاوز موقف مجرد الدفاع أو الردّ، بالبدء في حوار حضاري يهدف إلى تعميق مجالات التفاهم وتوطيد أسس الاحترام المتبادل والتعاون بين المجتمعات والدول قاطبة. وكخطوة أولى في هذا الطريق، فقد استضفنا مؤتمر الدوحة حول العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي الذي تناول بالبحث العديد من المسائل المطروحة على الساحة الدولية في هذا الخصوص، وشملت مناقشاته مختلف وجهات النظر بشأنها.
وآمل أن تتسع آفاق هذا الحوار ليشمل جميع الأطراف المعنية، في ظل المنتدى وبالآليات المناسبة، فليس من مصلحة أحد أن تتعمق بذور الشك والكراهية والريبة، كما أن إعادة فرض الحواجز، بين المجتمعات الدولية، نفسية كانت أم واقعية لا يتناسب مع الاتجاه إلى العولمة وما تتطلبه من تعاون متكافئ وتبادل للمنافع واحترام متبادل بين دول العالم وشعوبه كافـة.
حضرات الأخـــــوة،
لقد حرصنا دائماً في سياستنا الخارجية على الإلتزام بقواعد الشرعية الدولية، وضرورة حلّ المنازعات الدولية بالطرق السلمية، والعمل على توفير سبل الأمن والإستقرار لمنطقتنا لما فيه خير دولنا وشعوبنا كافـــــــة. ولذا فإننا نعرب عن بالغ ارتياحنا للتطورات الإيجابية التي أسفرت عنها قمة بيروت العربية بشأن الحالة بين العراق والكويت، ونؤكد على ضرورة احترام سيادة دولة الكويت وأمنها وسلامتها الإقليمية، وكذلك على استقلال العراق ووحدة أراضيه.
كما أننا ندعو العراق إلى قبول قرار مجلس الأمن الأخير بشأن استئناف عمليات التفتيش عن الأسلحة، والذي يتيح حل موضوع الأسلحة العراقية عن طريق الأمم المتحدة، وفي إطار قراراتها، تجنباً لإلحاق المزيد من المعاناة بالشعب العراقي، ولمنــع كوارث حرب جديدة، عن المنطقة بأسرهـــــــــا.
حضرات الأخـــــوة،
إن ممارسات إسرائيل العدوانية ضد أبناء الشعب الفلسطيني وقيادته تشكل تصعيداً خطيراً للوضع في المنطقة يبرهن بجلاء على اختيارها أسلوب القوة وسيلة لتحقيق أهدافها، عوضاً عن منطق التحاور ولغة السلام، ونحن إذ
نحيي صمود الشعب الفلسطيني، لنؤكد على دعم دولة قطر لـــه في نضاله المشروع للحصول على حقوقه الوطنية وإقامة دولته المستقلة، وندعو المجتمع الدولي إلى توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني والعمل على وقف ما يتعرض له من عدوان.
إن هذه الممارسات العدوانية، وإستمرار إسرائيل في احتلال الأراضي السورية في هضبة الجولان، وعدم انسحابها من باقي الأراضي اللبنانية، يجعل السلام الذي تتطلع إليه دول المنطقة وشعوبها، بعيد المنال، وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسئولياته في هذا الصدد في إطار ما أصدرته الأمم المتحدة من قرارات.
الأخـــــوة،
أتمنى لكم التوفيق في مهامكم، وأتطلع وإياكم إلى عام جديد نعمل فيه يداً بيد، بكل العزم والثقة والمسئولية، على تنفيذ برامجنا الوطنية ،
وتحقيق أهدافنا الاجتماعية والتنموية، لنحقق لبلادنا ما نرجوه لها من تقدم ورفعة.
والله أسأل، أن يوفقنا لما فيه الخير، وأن يهدينا سبل الرشاد، إنه سميعُ مجيب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،