بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الرئيس،
أصحاب الفخامة والسعادة،
الحضور الكرام،
لقد أسعدني أن أشارك معكم في جلسات هذا الملتقى العالمي،
ومتابعة ما دار فيها من مناقشات ومداولات قيّمة، ولا يسعني هنا إلا أن أتوجه بتحية شكر إلى
جميع الذين ساهموا في تنظيم هذه الجلسات وإدارتها، كما يسرني أن أوجه التحية إلى البروفيسور
كلاوس شواب مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي ورئيسه، وأشكره على جهوده في سبيل إنجاح هذا اللقاء.
إن جمعنا هذا العام في نيويورك لَيحَمِلُ دلالات هامة تتعلق بمستقبل العالم، ويؤكد ضرورة التباحث بشأن الأزمات التي يواجهها، والتحديات المحدقة بشعوبــــــه.
وبعد أن استمعنا إلى عدد من الآراء والمداخلات المهمة، لا نزال نبحث عن العلاج الناجع، والصيغة المطلوبة، لمواجهة مشاكل عالمنا
وصراعاته، ومن ثمّ السعي الدؤوب، لبناء عالم جديد أكثر أمناً وعدلاً وأكثر ازدهاراً.
الحضور الكرام،
عندما نتحّدث عن رغبتنا في الإنتقال من مرحلة النقاش
والحوار إلى التعاون الفعلي من أجل بناء أسرة عالمية جامعة، فإن علينا
أن نطرح مجموعةً من القضايا الحيوية التي لابد من معالجتها لتحقيق هذا الهدف.
وفي اعتقادي، أن الأمن والازدهار المنشودين،
لا يمكن أن يتحققا إلا باتخاذ مواقف عادلة إزاء المشكلات الهامة التي تواجه العالم حالياً.
وهنا أؤكد على أهمية
تسوية النزاعات والأزمات الإقليمية المزمنة، التي لا تزال تستنزف الطاقات في شتى أنحاء العالم.
وعندما يتم إرساء العلاقات الدولية على أسس العدالة والإحترام المتبادل والمصالح المشتركة،
يصبح في مقدورنا تصور قيام مجتمع عالمي جديد، في إطار متوازن يُجّمع ولا يفّرق، تسود فيه قيم
العدالة والحرية والديمقراطية ويحترم فيه تنوع الحضارات والثقافات وتكافؤ الفرص، ويشعر
الجميع فيه بالمساواة في الحقوق والواجبات، تحت مظلّة القوانين الدولية والقيم الإنسانية.
وعلى نفس القدر من الأهمية، فإن توزيع الدخل في العالم مازال يميل بشكل غير مقبول لصالح الأقلية،
ولابد للنظام العالمي الجديد أن يراعي احتياجات وطموحات الدول النامية التي يشكل عدد سكانهـا
الأكثرية الكبرى، وكي يتحقق ذلك يجب أن تكون هنالك آلية فعالة تسمــح لتلك الدول، وخاصة
الأقل نمواً، بالمساهمة في تطوير أسس هذا النظام وتفسير دلالاته بشكل يساعدها على زيادة
الاستفادة منه في المستقبل. فهناك ضرورة لأن يعطي هذا النظام مكانةً مميزة للتنمية في
الدول النامية، ويفتح أمامها الأسواق، ويرسخ مبادئ العدالة والإنصاف في التعامل معها.
الحضور الكرام،
إن عالمنا اليوم يقف على مفترق طرق، يتعين علينا جميعاً أن نختار الاتجاه الذي
يتوجب سلوكه. فهل نحن بصدد بناء عالم جديد يقوم على التكامل والتفاعل، أم أننا مهددون،
لاقدّر الله، بالانزلاق نحو عالم تسود فيه المواجهات والصراعات التي لا يمكن التغلب عليها؟
لقد قيل الكثير خلال الفترة الماضية عن دخول مجتمعنا
الدولي في مواجهة بين الحضارات، وصراع بين الديانات، وفي نظر البعض شكّلت الهجمات الإرهابية
التي تعرضت لها الولايات المتحدة في سبتمبر الماضي مؤشراً على بداية حرب إسلامية مزعومة ضد
الغرب وحضارته ونمط حياته، في حين اعتبر البعض الآخر أنّ الحرب ضد الإرهاب، والتي أعلنتها
الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها، ليست إلاّ حملةً صليبية ضد الإسلام والمسلمين.
إن أياً من هذين الموقفين لا يعكس جوهر
المشكلة التي نواجهها، فلا الإرهــاب الذي حدث كان معبّراً عن الإسلام أو عـن مشاعر العرب
والمسلمين، ولا الجهود الدولية الجاريــة لمكافحة الإرهاب تشكــل حملةً غربيةً
مضـادة تستهدف الإسلام أو المسلمين، فنحن نرفض هذه التسميات والأوصاف الخاطئة والظالمة.
وكما لا يعترينا نحن المسلمون الشك بخصوص الهدف من مكافحة الإرهاب، فإنه يجدر
بأصدقائنا في الغرب ألا يساورهم الالتباس بشأن الوجه الحقيقي للإسلام. وليس أجلى من
العودة إلى كتاب الله العزيز برهاناً على حرص الإسلام على التعايش بين بني البشر0
فقد حرم الله قتل النفس وجعلها من أكبر الكبائر، كما أمر عز وجل المسلمين بعدم
الإساءة لمن يخالفهم العقيدة، بل حثهم على البر والإحسان إليهم مصداقاً لقوله تعالى
" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم".
الحضور الكرام،
إن الوقت قد حان كي نركز جهودنا في العالمين العربي والإسلامي وفي العالم الثالث عموماً، على
أولويات التنمية والتطوير وبناء المؤسسات الديمقراطية المسؤولة عن صياغة السياسات واتخاذ
القرارات، وإقامة أنظمة حكم تحترم مبادئ القانون وحقوق الإنسان وحرية الاقتصاد ومكافحة
الفساد، لأن ذلك هو السبيل الوحيد الذي يمكننا من تلبية آمال شعوبنا وطموحاتها المشروعة.
كما يتعين على الدول والمجتمعات الصناعية أن تساهم في هذا
المجال، وأن توفر الوسائل والظروف اللازمة لمساعدة
الدول النامية لتحقيق طموحاتها، وعلى الغرب أن يتخذ مواقف أكثر عدلاً تجاه قضايا تلك
الدول، حيث أن التردد في تبنيها لن يؤدي إلا إلى المزيد من سوء الفهم والشك المتبادل.
وإذا ما عملنا سوياً على إيجاد الحلول العادلة للأزمات المأساوية التي تعانيها
الشعوب العربية والإسلامية في فلسطين وكشمير والشيشان وغيرها، وإذا ما تعاون الجميع على التخفيف
من آثار الفقر والجوع والمرض والتخلف، وغير ذلك من تحديات يعاني منها الكثير من شعوب عالمنا،
فإننا نكون قد بدأنا بالفعل الخطوات الأولى المطلوبة لبناء أسرة دولية ذات مصالح وأهداف مشتركة.
الحضور الكرام،
نحن نطالب بالعدالة وبالمشاركة المؤثرة
والفاعلة في هذا المجتمع الدولي كي نجعله مكاناً أفضل لشعوبنا ولأجيالنا الناشئة.
أشكركم جميعاً وأتمنى لكم مرّة أخرى دوام النجاح والازدهار.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.