بسم الله الرحمن الرحيم
الأخوة الكرام أعضاء مجلس الشورى،
باسم الله، وعلى بركته، أعلن إفتتاح الدور العادي الثلاثين لأعمال مجلسكم الموقــــــر.
حضرات الأخـــــوة،
نلتقي اليوم على عادتنا في كل عام لبدء دورة جديدة من أعمال مجلس
الشورى الذي نقـــدر له، على الدوام، دوره في إثراء الحوار الموضوعي الهادف
إلى تحقيق المصلحة العامة،
وتعزيز المشاركة الشعبية في العمل الوطني في مجال السياسة التشريعية.
وإذا كان مجلس الشورى يعدّ، مرحلة أساسية من مراحل تطوير مؤسسات
الدولة، فإنني أتطلع معكم، ومع أبناء شعبنا، إلى مرحلة مـــــا بعد إصدار الدستور
الدائم، الذي تبذل اللجنة المكلفة بوضعه،
جهداً مشكوراً في إنجازه في الموعد المحدد،
وتضمينه الأحكام التي نتوق جميعاً إلى أن نراها واقعاً ملموساً لمجتمع قادر على تلبية
متطلبات عصره ومسايرة ما سيحققه التقدم الانساني في السنوات القادمة من
انجازات.
وإنني لعلى ثقة من أن ما أرساه مجلس الشورى من تقاليد في ممارسة مهامه طوال السنوات
الماضية، وما اكتسبه من
خبرات كبيرة متنوعة، يضع الأساس الصلب لمجلس نيابي منتخب، لن يبدأ من فراغ، أو يتلمس
طريقه بين أحكام الدستور الدائم، بل سيجد في تلك التقاليد والمكتسبات العون والسند
الذي يجنبه العثرات وينير لــه الطريق لتحقيق ما نعقده عليه من آمال بإذن اللـــــه.
الأخوة الكرام،
منذ بداية هذا العام بدأ نمو الاقتصاد العالمي بالتراجع،
وظهرت عليه بوادر الإنكماش، وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر بانعكاساتها السلبية على
الأنشطة الاقتصادية المختلفة لتزيد من مخاطر استمرار تراجع النمو الاقتصادي
في الدول الصناعية. وهذا بدوره كان له تأثير سلبي على معظم دول العالم،
فقد انخفضت أسعار السلع المختلفة وخاصة البترول، تبعاً لذلك حيث أدى تباطؤ
النمو الاقتصادي في العالم إلى تراجع الطلب على النفط بدرجة كبيرة
منذ بداية العام ويتوقع أن لا تستقر أسعار النفط خلال الفترة القادمة.
وإن كان لارتفاع أسعار النفط في الفترة الماضية آثاره
الإيجابية علينا فقد استخدمت الإيرادات الإضافية التي تحققت
نتيجة للارتفاع في الأسعار في سداد جزء من الديون الناتجة عن العجز المتكرر في
الموازنات السنوية السابقة بالإضافة إلى تمويل المشروعات الصناعية الكبرى.
إلا أن قطر لم تكن شأنها في ذلك شأن مناطق أخرى من العالم، بمنأى عن
الآثار السلبية لـهـــذه الأزمة، فقد أدى انكماش الطلب العالمي على النفط والهبوط الكبير
في أسعاره إلى انخفاض متوقع في الإيرادات المالية للدولة وتراجع معدلات النمو الاقتصادي.
حضرات الأخـــــوة،
لقـــد قطعــــت بـــلادنا
شوطـــــاً كبيراً في تنفيذ البرامج الهادفة إلى تعزيـــز الاقتصــــاد الوطني
وحققت نمواً متواصـــلاً في قطـــــاع الصناعات الهيــــدروكربونية. إلا أننا لم
نحقق ما كنا نصبو إليه في مــجال الصناعــــــات المتوسطـــة والخفيفــــــة،
فهذه الصناعات تعتمد بصفة أساسيـــة
على نشاط القطاع الخــــاص، إذ أنها لا تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة، ولتفعيل دور القطاع
الخاص في هذا المجال فقد استملكت الدولة بنك التنمية الصناعية بالكامل من أجل إيجاد آلية
مناسبة لتنفيذ تلك المشروعات بالتعاون مع القطاع الخاص، بالإضافة إلى أنها ستعمل على
إزالة المعوقات الإدارية والبيروقراطية التي تعترض طريق القطاع الخاص في هذا المجال.
وإننا نؤكد عزمنا وتصميمنا على الاستمرار في سياساتنا
الثابتـــــة والهادفة إلى تنفيذ المزيد من المشاريع الصناعية وتطــــوير البنية
التحتية وفقاً للبرامج والخطط المعتمدة. وموالاة إصدار القوانين اللازمة لتشجيــــع
الاستثمـــــار الأجنبي المباشر، وتقديم العديد من الحوافـــز المجزية للمستثمرين
بالإضافة إلى ترويج المناخ
الاستثماري، بهدف زيادة مساهمة الاستثمارات الأجنبية في المشروعات الاقتصاديـــــة.
ولعل إنشاء المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار
يعكس حرصنا على تدعيم وتفعيل عملية التنمية الاقتصادية بهدف تنويع القاعدة الإنتاجية،
مع ضرورة مواكبة المستجدات العالمية والاستفادة من الفرص المتاحـــــة.
وحرصاً منا على أن تشمل مسيرتنا التنموية كافة قطاعات الدولة تبذل الحكومة جهوداً كبيرة لرفع مستوى نظامنا التعليمي،
وتطوير التأهيل العلمي والتقني بالإستعانة ببيوت الخبرة الدولية المشهود لها بالكفاءة.
ولا بد لي من أن أبدي في هذا المقام ارتياحنا للنتائج الطيبة التي حققها
المؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية، الذي انعقدت فعالياته قبل
أيام قليلة في الدوحة وأن أتوجه بخالص الشكر إلى كل من ساهم في إنجاح هذا
المؤتمر وخاصة للمتطوعين منهم على ما بذلوه من جهود في هذا السبيــــل.
حضرات الأخـــــوة،
إننا في دولة قطر إذ نؤكد إنتمائنا الراسخ الخليجي والعربي
والاسلامي، نشدد على أولويات سياستنا الخارجية التي تأتي
في مقدمتها تعزيز علاقاتنا مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الشقيقة
وتعميق أواصر الأخوة والتكامل معها ونتطلع إلى اجتماع القمة المقبل لمجلس
التعاون في سلطنة عُمان الشقيقة التي نأمل أن تكون ناجحة ومثمرة وأن تسفر
عن نتائج إيجابية على دولنا وشعوبنا، ونحن على يقين بأن رعاية جلالة الأخ
السلطان قابوس بن سعيد لهذه القمة وحكمته ستساهم في انجاحها، وفي تدعيم
التضامن والتلاحم وتعزيز المصالح والأهداف المشتركة لأبناء هذه المنطقة.
حضرات الأخـــــوة،
لقد تابعنا
جميعاً أعمال الإرهاب الوحشية التي تعرضت لها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر
الماضي، وذهب ضحيتها آلاف من المدنيين الأبرياء، ولقد أدنّا بقوة هذه الأعمال، وأكدنا
على ضرورة ملاحقة مرتكبيها وتقديمهم للعدالة، ومع إدراك العالم أجمع لخطورة هذه الظاهرة
الإجرامية على مستقبل الجنس البشري وتقدمه ورخائه واستقراره فقد أنعقد إجماعه على ضرورة
التصدي لهذه الظاهرة وتخليص العالم من شرورها. ولقد كانت الدول الإسلامية سباقة في هذا
المجال، ولم يقتصر ذلك على إدانتها الإجماعية لتلك الأعمال الإرهابية البشعة في الاجتماع
الطارئ لوزراء خارجيتها الذي عقد بالدوحة الشهر الماضي، بل انها كانت، وقبل ذلك بعدة
سنوات، قد أقرت مشروع معاهدة دولية لمكافحة الإرهاب ودعت الدول الإسلامية للانضمام
إليها، إلا أن دولنا
العربية والإسلامية تجد نفسها في موقف الدفاع عن النفس أزاء محاولات مشبوهة لإلصاق تهمة الإرهاب
بالعرب والمسلمين. فالإرهاب ليس حكراً على دين بذاته أو منطقة بعينها أو عرقاً دون سواه،
كما أنه يتنافى مع جميع الشرائع السماوية، وفي مقدمتها ديننا الإسلامي الحنيف الذي يحض
على الخير والتسامح والمحبة لا على العنف والعداوة والبغضاء، ونأمل من الدول العربية
والإسلامية أن تتخذ خطوات جادة لدرء هذه التهمة الظالمة وهو ما يتعين علينا أن نفعله
بكل الجدية، وأن نعتمد في ذلك على أسلوب الحوار الموضوعي القائـــــم على مقارعة
الحجـــة بالحجــــة وإبراز الصورة الحقيقية للإسلام ودوره في الحضارة الإنسانيـــــة.
حضرات الأخـــــوة،
إن لدولنا
العربية والإسلامية موقفاً مبدئياً يتمثل في ضرورة التفرقة بين الإرهاب كظاهرة إجرامية، وبين حق
الشعوب التي ترزح تحت نير الاحتلال العسكري في تحرير أوطانها وممارسة حقها الأصيل، الذي كفلته
كافة المواثيق الدولية وعلى رأسها ميثاق الأمم المتحدة، في تقرير مصيرها. ولقد دعوت في
كلمتي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى ضرورة تعريف الإرهاب تعريفاً دقيقاً على الأساس
المتقدم. ولعلنا نأمل أن يكون ما أقرته منظمة المؤتمر الإسلامي في
هــــذا الصدد نـــــــواة للجهد الدولي الذي ستبذلــــه الأمـم المتحدة في هـــــــذا السبيل،
وأن يكون التصدي المستمر لهذه الظاهرة تحت قيادتها في إطار معاهدة دولية ملزمة للدول الأطراف.
حضرات الأخـــــوة،
إننا ندعو المجتمع الدولي إلى إزالة بؤر التوتر في العالم وحل
المشاكل المزمنة التي تهدد الأمن والسلم الدوليين وتهيئ التربة الملائمة للتطرف والعنف،
وإننا لعلى ثقة من أن التوصل إلى حلّ عادل ودائم للقضية الفلسطينية يلبي التطلعات
المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف على ترابه
الوطني، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لهضبة الجولان السورية وانسحابها إلى الحدود
الدولية المعترف بها في لبنان، هو السبيل إلى إعادة الأمن والاستقرار والسكينة
إلى الشرق الأوسط لتنعم شعوبه دون استثناء بالسلام الذي افتقدته لسنوات طويلة.
أيها الأخـــــوة،
إن الظروف القاسية والمعاناة الصعبة للشعب العراقي
الشقيق، تثير في نفوسنا الإحساس بالألم والمرارة وتحتم علينا تلمس السبل
للخروج من هذه الأزمة وإيجاد الحلول السياسية المناسبة لها بما يضمن
المحافظة على وحدة العراق وسيادته واستقلاله، ويحقق الأمن والاستقرار
في المنطقة، مع الأمل في أن تتضافر جميع الجهود لحل قضية المفقودين.
حضرات الأخـــــوة،
ونحن نطوي صفحات عام مضى، عاماً مليئاً
بأحداثه المتناقضة، أحداثاً حملت للعالم الكثير من المفاجـــــآت وعكست العديد من
المآسي الــــــتي لا تتفق مــــــع روح الـخير ودعـــــــوة الســــــــلام. ولكن
مع ذلك علينا أن نمضي... نمضي لنبني أياماً أكثر إزدهاراً ومستقبلاً أكثر إشراقاً،
نتسلح بالعلم وبالإيمان وبحق البشرية في العيش بحرية واطمئنان، وهذا يتطلب
منا الكثير من الجهد والإخلاص... فلننظر لمستقبل بلادنا بعين مرآتها التفاؤل
وروح عامرة بالعزم.. فبالإرادة والتصميم نبني مستقبل بلادنا وقادم أجيالنا.
وفقكم اللـــــه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.