بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الرئيس،
السيد الأمين العام،
أصحاب السعادة،
االحضور الكرام،
إنه لمن دواعي سروري أن أخاطب الجمعية العامة اليوم بصفتي أميراً لدولة
قطر ورئيساً للقمة التاسعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي في هذه الدورة الهامة التي علينا أن نجعل
منها دورة لإعادة بناء الثقة وتحقيق آمال وتطلعات شعوبنا فى عالم يسوده السلم والازدهار.
واغتنم هذه المناسبة لأتقدم لكم سيادة الرئيس بالتهنئة
لانتخابكم لقيادة دورتنا هذه كما أتوجه بالشكر لسلفكم سعادة
السيد/ هارى هولكيرى ولا يفوتني أيضا في هذا المقام أن أهنئ السيد كوفي عنان بإعادة
انتخابه أميناً عاماً لمنظمة الأمم المتحدة وأهنئه ومنظمتنا بجائزة نوبل للسلام.
السيد الرئيس،
الحضور الكرام،
كلنا نعي الظروف الحساسة والدقيقة التي تنعقد فيها أعمال هذه
الدورة بسبب الوضع السياسي الذي
يسود العالم منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر فتحليلنا لتلك الأحداث المروعة
والمدانة يسمح بالقول بأن البشرية قد دخلت بالفعل في منعطف لا يقدر أحد مداه.
وأعتقد أن أعظم طمأنينة وسكينة تقدم لأرواح ضحايا ذلك العمل
الإجرامي وأصدق مواساة لأسرهم وأنجع
دعم لموطن الحدث الولايات المتحدة الأمريكية الصديقة هي أن ينهض المجتمع
الدولي قاطبة لا للتصدي لما حدث فحسب بل وإنما للعمل وبكل عزم لتجنب تكراره.
صحيح أن ما وقع في نيويورك وواشنطن هو شيء غير مسبوق يكاد
يخرج عن نطاق التصور فقد يعتبره الكثيرون من مخططي الاستراتيجيات تصديقاً
لتنبؤاتهم بينما سيحسبه الإنسان العادي ضرباً من ضروب الخيال لولا أنه واقع ملموس شاهدناه مباشرة
بكل دهشة في البداية وقدرنا خطورته بإشفاق كبير على مصير البشرية.
وعلى هذا الأساس فإن مقارنة ما حدث والتعاطي مع حيثياته وتداعياته
يجب أن لا يتوقف عند معاقبة
من ثبتت إدانته في تدبير ذلك العمل الإجرامي وتنفيذه لأن القيام بمثل ذلك رغم
أهميته لن يجنب العالم في تقديري تكرار حدوث أعمال مشابهة وربما أخطر في المستقبل.
فنحن إذاً في مواجهة وضع خطير أقل ما يمكن أن نصفه به أنه عولمة
للإرهاب على مستوى الانتشار والتغلغل وعلى مستوى الاستفادة الشريرة من ثورة التكنولوجيا ووسائل الاتصال
ومن ثم فقد دخلنا كلنا في مرحلة حرب غير تقليدية لم نهيئ أنفسنا لها بعد.
فالإرهاب كما نعلم ليس ظاهرة آنية ولا هو مقتصر على
قارة دون أخرى ولا بعقيدة أو ثقافة بذاتها ولا بجنس
بعينه وإنما هو متواجد هنا وهناك وكأنه قنابل موقوتة.
وإزاء هذا الوضع نتساءل ماذا فعلنا كمجتمعٍ دولي وكإرادةٍ دولية.. هل
كنا فعلا ً في مستوى ذلك الحدث الخطير.
وماذا فعلنا لإعادة بناء الثقة بين البشر.. ماذا قمنا به لتطويق
الخوف الذي بات يضعف معنويات المواطنين..
ماذا نفعل الآن لوقف حالة الكساد الاقتصادي والقلق الاجتماعي الذي يهددنا جميعاً.
أكثر من ذلك هل هذا هو العالم الذي بشرنا به جميعا في قمة الألفية منذ سنة مضت.. عالم تسوده المحبة والسلام والتعاون.
أين نحن من تلك المثل وواقع حالنا إننا نتجه أكثر فأكثر نحو
التضييق على الحريات
وما يصحبه من تراجع للديمقراطية وتنامي روح الاحتراز والعزلة بدلا من الحرية والانفتاح.
لقد أدانت دولة قطر مع كافة شقيقاتها من الدول الإسلامية
ما وقع يوم الحادي عشر من سبتمبر من أعمال إرهابية وعبرنا عن ذلك في الاجتماع الطارئ لوزراء
خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي الذي انعقد بالدوحة الشهر المنصرم.
ولقد كان إجماعنا في إدانة ما وقع نابعاً من قيم ديننا
الإسلامي الحنيف وشريعته الغراء التي تقوم على التسامح والعدالة والمساواة والتعاون بين بنى البشر وتحرم قتل النفس البشرية
إلا بالحق وتحض على تعمير الأرض ونشر ألوية الأمن والطمأنينة.
وأريد هنا أن أؤكد أيضا أن ما يرسخ قناعتنا ويعزز
موقفنا من تلك الثوابت الحضارية الخالدة هو إدراكنا وتقديرنا للأهمية
الجيوسياسية للأمة الإسلامية بمختلف شعوبها تلك
الأهمية التي تجعل منها شريكاً استراتيجياً في بناء علاقات دولية متوازنة.
وهذا في الواقع ما يجعل الشعوب الإسلامية تستهجن تلك المحاولات
اليائسة التي تعمد لأسباب معروفة إلى ربط الإسلام بالإرهاب
كما أن تلك الشعوب تدين وترفض بقدر إدانتها ورفضها للإرهاب كل
محاولة مشبوهة لتشويه صورة الإسلام الذي هو خاتم الرسالات السماوية والإساءة
لمعتنقيه وترويعهم وتعريض حياتهم وكرامتهم ومصالحهم للخطر.
ولذلك فقد بات من الضروري التصدي وبالحزم المطلوب لكل
أشكال المضايقات التي تتعرض لها الجاليات العربية والإسلامية
في كثيرٍ من المجتمعات باسم مكافحة الإرهاب وملاحقة الإرهابيين.
إننا في حاجة إلى تعريف الإرهاب تعريفاً واضحاً وأن نميز بين
هذه الظاهرة التي تقوم على ممارسات إجرامية واعتداءات على المدنيين والأبرياء وبين نضال الشعوب
وكفاحها المشروع لأجل الإنعتاق من نير الاستعمار والاستعباد.
لقد تجذر الإرهاب ليس فقط لعجزنا للتصدي لبؤر التوتر في العالم وإنما
أيضا بسبب أسلوب القمع ومصادرة الحريات ومحاربة تعدد الآراء وتفشي الفساد واستغلال النفوذ
ومطاردة المعارضين السياسيين تحت ستار حماية الأوطان والأرواح.
فليس من الإنصاف ولا المنطق أن يستغل أحد ما وقع من
أحداث ليصحح أوضاعاً داخلية بالمزيد من الممارسات القمعية أو تعطيل مسيرة الحياة الديمقراطية.
وفى هذا الإطار نرى أن الوقت قد حان وبصورة بالغة الإلحاح
لوقف المأساة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني على أيدي
قوات الاحتلال الإسرائيلي وأن يتولى المجتمع الدولي مسؤولياته في توفير
الحماية الدولية المطلوبة والضرورية لهذا الشعب في مواجهة ما يتعرض
له يومياً من اعتداءات غير مبررة وغير مقبولة.
لذا فإننا نحث جميع الأطراف على الاستجابة لدعوة قاداتهم إلى ضبط
النفس للحفاظ على أرواح المدنيين
الأبرياء حتى يمكن تهيئة المناخ الملائم لتحقيق سلام عادل في هذه المنطقة.
ويجمل بنا هنا أن نسجل الموقف الإيجابي للرئيس الأمريكي
جورج بوش وإدارته حول إقامة الدولة الفلسطينية كما لابد من الإشادة بالمساعي التي تبذلها في هذا
المجال حكومات الدول الأوروبية الصديقة وغيرها من الجهات الدولية المعنية
بحل الأزمة ويبقى المحك الأساسي أولاً وأخيراً
هو وضع هذا الموقف موضع التطبيق والانتقال من حيز الكلام إلى إطار الفعل.
السيد الرئيس،
الحضور الكرام،
لا بد أن نشدد أيضاً على معالجة المأساة الإنسانية التي
يعاني منها الشعب الأفغاني ونرى أن من واجبنا أن نهب لتقديم كل المساعدات لهذا الشعب الذي أضحى قسم كبير منه يعيش ظروفاً قاسية للغاية مما يزيد من معاناته
التي تعود لسنوات طويلة قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
لذا نهيب بالمجتمع الدولي إلى تقديم المساعدات والمعونات لإنقاذ أرواح
ملايين الأفغان من مصيرٍ مظلم.. ونرى بأن هناك حاجة ملحة لتقديم
الإغاثة مع اقتراب فصل الشتاء لذلك نحث سلطات طالبان على
التعاون التام مع منظمات الإغاثة لضمان وصول المعونات الإنسانية إلى الشعب
الأفغاني.. كما أن من واجب المجتمع الدولي السعي لتخصيص ممر آمن لعبور هذه
المعونات قبل حلول الشتاء.. ونرى أن يصير اللجوء كذلك إلى الحل الذي
اقترحته منظمة المؤتمر الإسلامي للمشكلة الأفغانية والقائم على ضرورة
الحفاظ على الوحدة الإقليمية لأفغانستان وهويتها الإسلامية وتشكيل
حكومة تمثل كل طوائف المجتمع الأفغاني دون استثناء لأي منها.
كما أن من مسؤوليات المجتمع الدولي صياغة توجهات وخطط شاملة
لمواجهة التحديات العالمية بكافة أشكالها.. في هذا الصدد فإننا على اقتناع بضرورة
إصلاح الأمم المتحدة وزيادة فاعلية مؤسساتها وهيئاتها والارتقاء بمستوى كفاءتها وبالقدر نفسه
فإنه يترتب علينا نحن الدول الأعضاء في هذه المنظمة أن نتحمل مسؤولياتنا
السياسية تجاهها وأن نحترم التزاماتنا المالية والأدبية حيالها.. وفى هذا
السياق نؤيد فكرة توسيع عضوية مجلس الأمن ليكون اكثر ديمقراطية ومثالاً للمجتمع
الدولي في عالمنا المعاصر ونؤيد أيضاً فكرة توسيع إطار العضوية الدائمة
في المجلس بما يكفل المزيد من التمثيل العالمي فيه وكذلك الأمر بالنسبة إلى
تقييد قدرة استخدام حق النقض من جانب الدول الدائمة العضوية وتنظيم إمكانيات
استخدام هذا الحق ضمن شروط وظروف محددة يمكن أن تتفق عليها المجموعة الدولية.
ومن هذا المنبر نقول بأنه قد آن الأوان وبصفة عاجلة
لتفعيل ميثاق حقوق الإنسان ونفض الغبار
عنه والانتقال به من مرحلة منظمات دولية يتوقف دورها
على تسجيل ما يقع من انتهاكات لأحكامه إلى مرحلة حوار
ديمقراطي شامل يتناول بالتعزيز أحكام ذلك الميثاق الخاصة بالمشاركة الشعبية
ويوسع من آفاقها ويجعلها أكثر استجابة لمتطلبات الحاضر والمستقبل.
ولقناعة دولة قطر بأهمية مثل هذا الحوار وضرورته فإننا على استعداد
لتقديم كافة أوجه الدعم ليكون عامنا هذا عاماً للحوار الديمقراطي ومدخلاً
فاعلاً لميثاق الأمم المتحدة في مطلع هذه الألفية.
وهذا المسعى سيفضي إن تم بقناعة وإرادة إلى تفاعل في تباين
الآراء ولربما يتحقق بمقتضاه توحيد جهودنا
في مواجهة ما يحيط بنا من أخطار وما ينتظرنا من تحديات.
وهكذا يتحول تمايزنا الثقافي إلى مصدر قوة وثراء وتغدو
فوارقنا الاجتماعية عامل تنوع وعطاء وتصبح حدودنا
السياسية والجغرافية نقاط تعاون والتقاء وتواصل بين شعوبنا
وأممنا فينعم الجميع بعالم يفخر المرء فيه بإنسانيته وبمستقبل
يؤمن الرخاء والازدهار لأبنائنا وأحفادنا دون تفرقة أو تمييز.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.