بسم الله الرحمن الرحيم

فخامة الأخ الرئيس ياسر عرفات رئيس دولة فلسطين،

أصحاب السمو والمعالي والسعادة،

معالي الدكتور عبدالواحد بلقزيز الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي،

السادة ممثلو المنظمات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية،

الحضور الكرام،

    يأتي اجتماعنا هذا في ظل أحداث بالغـة الخطـورة لها بكل تأكيد تداعياتها الكبيرة على الأوضاع العالمية وعلى الأمة الإسلامية لحقبة قادمة، فلقــد بدأ العمل العسكري الأمريكي المتوقع على أفغـانستان معـززاً بـدعم الدول المتحالفة في السابع من هذا الشهـر كـرد على الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها كل من نيويورك وواشنطن في الشهر الماضي والتي هـزت العالم بأسره بـما أحدثتـه من خسائر فادحة في أرواح الأبريـاء ومن دمـار واسع في عدد من الممتلكات العامة والخاصـة في الولايات المتحدة الأمريكية.

    إن التـداعيات المترتبـة على هذا العمل الإرهابي، والرد العسكري عليه ستُلقي بظلالها على العالم أجمع وتفرض تحديات جسام لا على دولنا الإسلامية فحسب، بل على المجتمع الدولي، وكل ذلك يحتم علينا أن نجتمع لنتشاور فيما يتعين علينا إتخاذه في مواجهة هذه الظروف، وكيفية التعامل مع أسبابها ونتائجها.

    واسمحـوا لــي بهذه المناسبة أن أتوجه باسمكم للولايات المتحدة الأمريكية شعبـاً وحكومة بأخلص تعازينا وصادق مواساتنا، وأن نؤكد بالـغ استنكارنا لما وقع، وإدانتنا لهذه الأعمال المشينة ولإزهاق الأرواح البريئة، وترويع الآمنين، بـما يتنافى مع جميع القيم الإنسانية، والأعراف الدولية والشرائـع والديانات السماوية، بـما فيها ديننا الإسلامي الحنيف الذي يدعـو إلى السلام بين بني البشر ويحض على التسامـح والمحبــة والمساواة، لا على العـداوة والبغضاء.

    وإننا إذ نؤكد رفضنا القاطع لهذه الأعمال نـرى أن التصـــدي لها يجب ألا يـمس المدنيين الأبريـــــاء، وأن لا يـمتــد إلى غير من قـام بتلك الهجمـــــات، وهو ما يتطلب ضرورة توافر الأدلة القاطعة في حق الجناة وأن تقتصر الأعمال العسكرية، بعد إعلان تلك الأدلة، عليهم دون سواهم حتى يمكن للمجتمع الدولي أن يحدد موقفه عن بصيرة وبينة وحتى لا تكون الشعوب البريئة هي من يدفع الثمن في النهايـــة، وهــو ما يضع على كاهلنا جميعاً مسؤولية كبيرة تـجــاه الشعب الأفغاني الذي عانى لعقود طويلة مــن حـروب وصراعات شـردت الملايين من أبنائه، وقضت على بنيته الأساسية. ولقد أكد مؤتمر القمة الإسلامي التاسع الذي عقد في الدوحة الحاجة الملحة لإنشاء صندوق لمساعدة الشعب الأفغاني تحت رعاية منظمة المؤتمر الإسلامي، وأرى أن الوقت قد حان لاتخاذ قرار بإنشــــاء هذا الصندوق، وأود أن أعلن هنا تبرع دولة قطر بمبلغ عشرة ملايين دولار أمريكي.

الأخوة الأعزاء،

    إن إبراز موقفنا من هذه الأحداث، خاصة تلك التي تـمسنا مباشرة كمسلمين، وتلك المترتبة علينا كأعضاء في الأسـرة الدولية تقتضي أن نشير بداية إلى أن الإسلام يعلي شأن النفس البشرية، ويحترم حق الإنسان في العيش في أمن وطمأنينة. فالإسـلام ديـن سـلام، تـحيته السلام، وقد الـتـزم حتى في عصور قوة المسلمين ومنعتهم نهج السلام والتسامح والحرص على حقوق من يعيشون في كنفـه من غير المسلمين، حيث ضمن لهم أمنهم وحرماتهم ومقدساتهم، وحقوقهم المدنية كاملة.

    ولذلك فإن إدانتنا للإرهاب لا تأتي بهدف إبعاد شبهة عن الإسلام، بل هي إدانة للتطرف الذي يتفشى في المجتمعات الإنسانية ولا يقتصر على عقيدة معينة أو ثقافة محددة أو عرقاً بذاته، كما أنه من الضروري كذلك لمجابهة التطرف معالجة أسبابـه التي تثير الكراهية وتدفع إلى العنف.

الأخوة الكرام،

    إن العالـم الإسلامي يقـف في طليعة من نادى بحوار الحضارات سبيلاً إلى التفاعل والالتقاء بينها والتقارب بين شعوبها، كبديل عن التناحر والصراع وتقسيمها إلى شيع ومعسكرات متنافرة أو ثنائيات متجابهــة تقوم على مبدأ إن لم تكن معي فأنت ضدي، والكل يعلم أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ستصدر قريباً وثيقة دولية حـول حـوار الحضارات، بناءً على مبادرة إسلامية واستناداً إلى دراسات ووثائـق إسلامية ستكون محوراً لهذه الوثيقة. وهذا يثبت أن العالم الإسلامي كـان وما يزال، جـزءً فاعلاً في المجتمع الدولي، باعتبار أن حضارته حضارة ذات توجه عالمي، بعيد عن الإنعزال والإنطواء على النفـس أو كراهية الغـير، وبعيداً عن معاداة الحضارات الأخـرى أو الشعـور بضـرورة محاربتها أو الإنتقـام منهــا.

    كما كانت منظمة المؤتـمر الإسلامي سباقـة إلى اتخاذ موقف حـازم من الإرهاب، وتوصلت منذ سنوات عديدة لوضع مدونة لقواعد سلوك مكافحة الإرهــاب الدولي، أدرجت في مشروع معاهدة دعيت الدول الإسلامية للتصديق عليها.

الأخوة الأعزاء،

    إن استقراء تـجارب الماضي يتيح لنـا التوصل إلى صيغ، تـمكننا من مواجهـة هـذه الظاهــرة البغيضـة التي لا تـميــز بين عرق وآخـر، أو تعترف بحـدود سياسية أو جغرافية أو بـمـذاهــب اجتماعية أو اقتصادية، وأول ما يتطلبه ذلك هو أن نعمل بشكل أكبر على تفعيل دور الأمم المتحدة باعتبارها الإطار الذي يجمع كافة دول العالم ويمثل الشرعية الدولية المستندة إلى ميثاقها الذي يهدف بالأساس إلى حفظ السلم والأمن الدوليين، ولا بد لذلك أن تدعو الأمم المتحدة إلى مؤتمر دولي لصياغة معاهدة دولية لمكافحة الإرهاب تلزم الدول كافة، وتتحمل الأمم المتحدة مسئولياتها كاملة في شأن تقنين أحكام تلك المعاهدة وتطبيقها ووضعها موضع التنفيذ وإقرار الجزاءات التي توقع في حالة مخالفة أحكامها لتتم مكافحة الإرهاب الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة وقيادتها ووفقاً للمعايير المتفق عليها والتي لا بد أن يكون من أهمها تعريف الإرهاب والتمييز بينه وبين كفاح الشعوب ضد الاحتلال الأجنبي وحقها المشروع في الدفاع عن حريتها وتقرير مصيرها، باعتباره حقاً طبيعياً تكفله القوانـيـن والأعـراف الدولية.

    ومن هذا المنطلق ، فإن الشعب الفلسطيني في كفاحه لتحرير وطنه، يـمارس حقاً مشروعاً في مقاومــة الاحتلال الذي اغتصب الأرض، وشرد أهلها، وفرض سياسة التجويع والحصار، واغتيال الرموز السياسية في محاولاته المستمرة لقمع حرية هذا الشعـب وطمس استقلاله.

    وعلى المجتمع الدولي ألا يـدع الأحداث الأخـيرة في الـولايـات المتحدة تشغلــه عن دوره وتـحجب عنــه تـحمل مسئولياتــه حيـال ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إرهـاب الدولة الذي تـمـارسـه الحكومة الإسرائيلية وتصعيدهـا الخطير للوضع في المنطقــة ومحاولتها استغلال هـذه الأحداث لخـلـق أوضـاع جديـدة من شأنهـا تهديـد الأمن والإستقرار فيهـا، ذلك أن الأعمال الوحشية التي ترتكب ضد الشعب الفلسطيني ليست إلا إرهاباً منظماً تمارسه الدولة الإسرائيلية ضد شعب أعزل لا يجد أمامه من سبيل إلا المقاومة طريقاً للدفاع عن حقوقه والذود عن مقدساته ودفع ما يلحق به من مهانة وظلم وقتل وتشريد . ولا بد لي من أن أؤكد هنا أن هناك صوتاً يعلو في أمتنا الإسلامية أن إرهاب الدولة هو الذي يولد إرهاب المنظمات، وأن العنف يولد العنف وليس هناك من سبيل لكسر هذه الحلقة المفرغة إلا بإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة وعلى رأسها حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشريف.

    ومن هذا المنطلق، فإننا ندعو المجتمع الدولي وعلى رأســه الولايات المتحدة وهـي إحـدى الدولتين الراعيتين لعملية السلام إلى جانب روسيا الإتـحادية، وكافة الأطراف الدولية المؤثـرة، إلى تـحمل مسؤولياتهم، وتوفير الحماية الدولية المطلوبـة للشعـب الفلسطيني وأبناءه في مواجهة آلـة الحرب الإسرائيلية، على أن يكون ذلك مقدمة لإعادة استئناف عملية السلام علـى الأسس التـي قامـت عليها أصلاً، وفقـاً لقرارات الشرعية الدولية ومبدأ "الأرض مقابل السـلام".

    وأود في هذه المناسبة أن أعرب عن الارتياح للتصريحات التي أدلـى بها في هذا المجال مؤخراً الرئيس الأمريكي جورج بوش وتـحـدث فيها عن إقامـة الدولة الفلسطينية باعتبارها جزءً من التصـور الإستراتيجي الأمريكي لتسويـــة الصراع في منطقتنا، فهذا الموقف يـمثـل في نظـرنـا تطـوراً إيجابياً بـالـغ الأهميــة من شأنـه أن يضع الأمور في مسارها الصحيح. ولا يسعنـا إلا أن نعرب عن الأمل في أن تبادر الولايات المتحدة وبسرعة إلى وضع هذا الموقـف موضع التطبيق الفعلـي، والسعـي إلى تـحقيق هـذا الهـدف الاستراتيجي في إطار القرارات الدولية ذات الصلة التي صدرت في هذا الشأن حتى يصبح من الممكن تمهيد الطريق لإحلال السلام العـادل والـدائـم والشامـل لجميع دول المنطقة وشعوبهــا.

    ولا يفوتني كذلك أن أنوه بالموقف المنصف والمسئول الذي اتخذه الرئيس الأمريكي وقادة الدول الأوروبية في التصدي لمحاولات استغلال تلك الأحداث المؤلمة لإلصاق تهمة الإرهاب زوراً بالعرب والمسلمين ووقوفهم في وجه تلك المحاولات المشبوهة التي ترمي إلى الإساءة إليهما.

أيها الإخوة،

    أرحب بكم في بلدكم آملاً أن يسفر لقائكم هذا عن موقف موحد تجاه الأحداث البالغة الخطورة التي يشهدها العالم اليوم، وأسأل الله عز وجل أن يوفقكم إلى ما فيه الخير لأمتنا الإسلامية والعالم أجمـــع.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.