بسم الله الرحمن الرحيم

فخامة الأخ الرئيس ياسر عرفات رئيس دولة فلسطين،

أصحاب السمو والمعالي والسعادة،

الأخوة الأعزاء،

أرحب بكم في هذا الاجتماع الطارئ، الذي ينعقد في ظروف بالغة الدقة، ولا أود أن أردّد بأن المنطقة تشهد تصعيداً خطيراً نتيجة للممارسات القمعية، والعدوان المستمر، الذي تقوم بـه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.

لقد جاءت مبادرة الدعوة إلى هذا الاجتماع ، استجابة لنداء الأخ الرئيس ياسر عرفات، والتزاماً من منظمـة المؤتمر الإسلامـي بالمسؤوليات الملقــاة على عاتقها تجاه الأحداث الخطيرة في فلسطين، وتسارع وتيرة التدهور الناجم عنها.

والواقع أن السؤال الذي يفرض نفسه علينا في هذه الظروف الصعبة هو:

كيف لنا أن نناصر شعبنا الفلسطيني؟ وكيف لنا أن نحمي هذا الشعب مما يتعرض له من أذى وعدوان؟ لا بأس أن نشجب وأن نردّد بأننا معكم في محنتكـــــم، ولكـــــن ما السبيل لإقناع الفلسطينيين بذلك، وهم أصحاب ذاكرة، بأننا فعلاً معهم في محنتهم، ثم كيف لأفكارنا وأفكارهم ومواقفنا ومواقفهم، أن تلتقي بالملموس لا بالتمني، لا شك أنه لن يكون كافياً، في هذا المقام، على الإطلاق، أن نردّد عبارات الشجب والاستنكار، أو أن نصدر قرارات لا تجد لها صدى أو استجابة على أرض الواقع.

فحيا الله شعب جنوب لبنان، والذي عرف كيف يحرر أرضه وبالطريقة التي اختارها وسار عليها للوصول لمبتغاه.. فلو كان شعب جنوب لبنان، يردد ما كنا ومازلنا نردده، هل كان بإمكانه تحقيق ذلك النصر؟

ثم دعونا نتسائل، ألم يكن ما أقدمت عليه الحكومة الإسرائيلية وعلى رأسها شارون، من فعل وممارساتٍ ليتم، لولا إدراكهم سلفــاً، بأن ردة الفعل الإسلامية وبالذات العربية، لن تزيد على الشجب والاستنكار؟ وإننا في الوقت الذي نطالب إسرائيل بالسلام، لا توجد عندنا القوة التي تساعد على فرض السلام.

إن ما يحصل في الأراضي الفلسطينية حالياً، كان مرده أولاً وأخيراً الشعور بالقهر والإحباط وفقدان الأمل، نتيجة هذه السياسة الإسرائيلية وممارساتها القمعية، فمنذ اليوم الأول لهذه الانتفاضة، كان الرد الإسرائيلي عليها مفرطاً في عنفه ووحشيته، فليس هناك أي مبرر أخلاقي أو سياسي أو حتى أمني، يسمح بالرد على الحجارة بقذائف الطائرات والدبابات والصواريخ، وكل أنواع آلة الحرب المتطورة، في مواجهة شعب أعزل، لا يملك سوى إيمانه بعدالة قضيته، وحقه في العيش بحرية وكرامة، لذلك فإن الانتفاضة مستمرة، وإن الشعـــب الفلسطيني، أراد أن يعتمد على نفسه اعتماداً كلياً، وبأن هذا الشعب المكافح، يعلم تماماً بأن أشقائـه لن يساعدوه، بأكثر من إصدار بيانات الشجب والإدانة، أو بعض المساعدات المالية.

إننـا مع السـلام، فإذا كانت الانتفاضـة هي القــوة التي ستفــرض السلام، فعلينا، مسلمـين وعــرب، أن نقــف وقفةً شجاعــة في تقديـم الدعم المادي والمعنوي لهذه الانتفاضة، فهي تستحـق منا كل المؤازرة، فقد أجبرتنا وأجبـرنا أبطالهـا، أن نقف بكــل اعتزاز أمــام بطولاتهم ونترحم على شهدائها، وعلينا أن نبادر إلى التحرك بجد وفعالية، من أجل نصرة إخواننا ومدهــم بما يحتاجــون إليه مــن وسائل العون والمسانــدة، للتخفيف من معاناتهم القاسية، ولتمكينهــم من الصمـود فـي مواجهة العدوان الذي يتعرضون له، فــي ظــــل هذا الخلل الفــادح فــي موازيــن القوى، فنحــن عندما نفعل ذلك لا نساعــد الفلسطينيين فحسب، بـل ندافع عن مقدساتنــا وحقوقنــا جميعـــاً.

أيهــا الأخـــــوة،

علينــا جميعاً أن نكشــف للمجتمع الدولي هذا التناقض الصارخ، وإزدواجية المعايير التي تفرضهــا إسرائيــل على مستوى الشرعية الدولية، فهذه دولــة عضــو في منظمــة الأمم المتحـــدة، نراهــا ويراها الجميع معنــا، وهــي مارقــة من كل التزاماتهــا، متنصلة من كافــة تعهداتهــا.

لقــد كنا نأمل، مع تعاظــم اهتمــام المجتمع الدولــي بحقــوق الإنسان، وما شهده القانون الدولــي من تطورات أساسية في هذا المجال، والمجالات المتصلة به، كالاتفاقات المنظمة لحقوق وحماية المدنيين تحت الاحتلال، أن يكون للمجتمع الدولي موقف حازم، إزاء الجرائـم اليوميـة التـي ترتكبهـا إسرائيـل بحق المدنيين العزل والنساء والأطفال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أن ما نشاهده يومياً في فلسطين، ومعنا شعوب العالم قاطبة يدفعنا للتشكك في مصداقية تلك المبادئ والقيم، التي باركناها والتزمنا بها كأعضاء في المجتمع الدولي.

ولذلك، ورغم تقديرنا للتجاوب الدولي مع تقرير لجنة ميتشل، الذي رحبت به السلطة الفلسطينية واعتمدته الولايات المتحدة الأمريكية منهاجاً لعملها، فإن تجاربنا مـع إسرائيـل، وعدم مبالاتها بالقرارات الدولية، مع عجز المجتمع الدولي عن إلزامها بهـــا، يجعلنا نخشى أن يلقى ذلك التقرير ما لقيه العديد من القرارات والاتفاقيات الدولية التي وقعّت عليها.

لذا آمل، أن نخرج من اجتماعنا هذا، بإستراتيجية إسلامية موحدة، تقوم على تفعيل قرارات مؤتمر قمة الدوحة، بما يتماشى مع الظروف الحالية، وتقديم كل أوجه الدعم السياسـي والمادي للشعب الفلسطيني، في كفاحه المشروع، مع مطالبة الأمم المتحدة وعلى الأخص، مجلس الأمن الدولي، بتوفير الحماية الدولية لهذا الشعب، وإرغام إسرائيل على وقف جميع أنواع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية وإنهاء كافة أشكال التوسع والمصادرة، والكف عن الانتهاكات المستمرة للمقدسات، إسلامية كانت أم مسيحية، وأن نسعى جاهدين لتنشيط الدور الإستراتيجي لراعيي عملية السلام، الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية روسيا الاتحادية، ليقوما بمسؤوليتيهما الأساسية في هذا السبيل.

لقد لعبت الولايات المتحدة الأمريكية، بما تملكه من إمكانات، دوراً مركزياً في رعاية العملية السلمية منذ مؤتمر مدريد لعام 1991، ولقد ساعد هذا الدور على تعزيز الثقة في قدرتها، على الوصول بهذه العملية إلى غايتها المنشودة، مما حدا بالعديد من الدول العربية إلى المشاركة فيها، ولذا فإنه من الضروري أن تستمر الولايات المتحدة في الوفاء بالتزاماتها تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، الذي لن ينتهي، إلا بانسحاب إسرائيل الكامل من جميع الأراضي الفلسطينيــة والعربية المحتلة، وإقرار الحقوق الوطنية المشروعة لشعبها العربي.

من هنا أدعو الإدارة الأمريكية، والرئيس جورج بوش شخصياً، إلى ضرورة التدخل الفوري من أجل وضع حد لهذه الحالة المتفاقمة، والتي لم يعد من الجائز السكوت عليها، والضغط على الحكومة الإسرائيلية لإرغامهــا على إيقاف عدوانها والعـودة، دون شروط مسبقة، إلى الالتزام بالمبادئ التي قامت عليها العملية السلمية، واستئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها.

فإسرائيـل لا يمكن أن تظل خــارج إطار الشرعية الدولية، ولا يجوز أن تبقــى، في منأى عن تطبيق قــرارات الأمم المتحــدة، ومواثيقها، ومبادئ حقوق الإنسان، وإذا كان مطلوباً تطبيق هذه القرارات والمواثيق والمبادئ، فلماذا لا تطبق على إسرائيل؟

لقد حوصرت دول عربية وإسلاميــة، وذلك باسم الشرعية الدولية، فعلينا أن نتسائل، لماذا طُبقت هذه الشرعية على بعض الدول العربية والإسلامية، بينما لا تطبق على إسرائيل؟

أيـن هي الشرعية الدوليــة، التي لا تستطيــع أن توفر الأمن لشعب أعزل، كما يحصل الآن في الضفة وقطاع غزة؟ وكلنا نعلم ودائمــاً نردد ازدواجيــة المعايير، بينمــا ستظل المعايير المزدوجــة تطبــق على الشعــوب الضعيفــة.

وإذا كان مطلوباً تطبيق هذه القرارات والمواثيق والمبادئ، في أي مكان، وفي سائر الأزمات والصراعات، فإنه من الواجب تطبيقها، ومن باب أولى، في الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينيــة، فالشعب الفلسطيني يستحق، مثله مثل سائر شعوب العالم، أن يعيش بحرية وكرامة، وأن ينعم بالأمن والحماية، وأن يتمتع بالسلام والازدهار في وطنه وعلى أرضه، وعلى إسرائيل نفسها أن تختار اليوم بين العيش في هذه المنطقة بأمن وسلام، وبين استمرار هذا الصراع لعقود وأجيال، بكل ما سيترتب عن ذلك من كوارث ومآسي، على جميع دول المنطقة وشعوبها.

أيهــا الأخـــــوة،

في مواجهة هذه الظروف الدقيقة، التي يتعرض لها اخوتنا في فلسطين أقترح عليكم أن تبادر اللجنة الوزارية المنبثقة عن القمة الإسلامية التاسعة بمواصلة مهامها فوراً، بالدعوة أولاً إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، تخصص لبحــث الوضع الخطير في الأراضي الفلسطينية المحتلة، على أن تتوجه اللجنة وبصورة عاجلة إلى عواصم الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وإلى الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، للتباحث في إيجاد الصيغ والآليات الضرورية، اللازمة للتعامل مع ذلك الوضع المتدهور، وأرى أنه من الضروري، أن تعتبر اللجنة نفسها، في حالة انعقاد دائم لمتابعة التطورات واقتراح الخطوات التالية.

رحم الله من سار على درب الشهادة ونالها، ونصر الله شعباً آمن وكافح ومازال، من أجل أن ينتزع حقه، في العيش بحرية وكرامة واستقلال.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.