بسم الله الرحمن الرحيم

البوفوسور شواب،
سعادة رئيس الاتحاد السويسري،
أصحاب السعادة والمعالي،
السيدات والســـــادة،

عندما دعاني منظمو المنتدى الاقتصادي العالمي للحديث إليكم هذا العام عن "دور الإسلام في التقارب بين الشعوب" رحبت بالدعوة، وأشكرهم عليها.

إن النظام الاقتصادي العالمي، الذي يلعب منتداكم دوراً هاماً في صياغتـه، يمر بمرحلة دقيقة تتخللها مشاعر القلق المشروعة من العولمة، فالعولمة عملية مفتوحة متى بدأت لا يعرف أحد أين ستنتهي. ولعل هذا القلق يفسر لماذا تلاقي العولمة تلك الردة الشعبية في الدول المتقدمة والنامية على السواء، وهو ما يدعونا جميعاً أن نديرها بالطريقة التي تحقق الغاية التي بدأت أصلاً من أجلها، وهي تقريب الشعوب وإزالة الفجوات القائمة بينه. ولن يتأتى ذلك إلا بإعادة الاعتبار للقيم النبيلة والأخلاقيات الإنسانية السامية والاعتراف بدورها الهام في تطوير العلاقات الاقتصادية الدولية، وبناء نظام اقتصادي عالمي له طابع إنساني تقتنع به الغالبية وترى أن لها مصلحة حقيقية في الانتساب إليه والذود عنه، وهو ما يمكن أن يكون للإسلام مساهمة إيجابية فيه.

إن دور الإسلام في التقارب بين الشعوب لا ينفصل عن التطلع إلى بناء نظام دولي يسوده التكافؤ والتكافل، ينعم بالاستقرار، وتعود المثل الرفيعة من جديد لتحتل فيه موقعها السليم في تصويب أخطاء العولمة. فطوال أربعة عشر قرناً من الزمان والإسلام يحث أتباعه، كما يدعو العالم بأسره، إلى التقارب وتنشيط حركة التجارة كوسيلة اعتبرها ضرورية لإعمار الأمصار ووشيجة تربط بني البشر أينما كانوا. وليس أدل على عناية الإسلام بالتجارة خيراً من إشادة القرآن الكريم برحلتي الشتاء والصيف التي خرج بهما العرب قبل الإسلام إلى بلاد الشام واليمن ثم إلى العالم بأســـره بعد مهبط الوحــي. فلم يدعو الإسلام يوماً إلى بناء أسوار من العزلة حول المسلمين ولم يكن ليصبح ديناً عالمياً إلا بحثهم على التعايش مع العالم والتوافق معه وإيجاد القاسم المشترك الذي يجمعهم وإخوانهم في مشارق الأرض ومغاربها تصديقاً لقولــه تعالى "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" وليس أصدق من التاريخ الإسلامي دليلاً على التقارب بين الشعوب . فأزهى عصور المسلمين كانت عندما انفتحوا على العالم بينما كان تراجعهم مقترناً إما بعزلة فرضوها خطأ على أنفسهم، أو فرضت عليهم قسراً إبان الحقبة الاستعمارية.

إن التسامح والتواصل مبدآن إنسانيان أكدهما الإسلام وحث عليهما، فالتسامح كان أقصر الطــــرق لكســـب ثقـــــة الآخريــــن، والتواصل كان الباب الذي أفاد به المسلمون العالم واستفادوا منه، ولقد ساعد هذان المبدآن على عولمة الإسلام من أندونيسيا شرقاً إلى المغرب غرباً ومن روسيا شمالاً إلى أفريقيا جنوباً.

إن هذه الكتلة الإسلامية الضخمة تنتمي إلى عالم أكبر تحتاج إليه ويحتاج إليها، فالمسلمون يمتلكون ثروات طبيعية ضخمة من بينها أكثر من نصف ثروة النفط العالمية، ويحتلون مواقع استراتيجية مؤثرة في السلم والاستقرار الدوليين، ويمثلون سوقاً واسعاً بكل المقاييس. كما أن للمسلمين مصالح واسعة مع العالم منها سعيهم إلى توطين التكنولوجيا في بلدانهم، وتخفيف الأعباء المالية عن عدد من دولهم المثقلة بالديون. ويمتلك المسلمــون اليوم من المقومــــــات ما يؤهلهــــــم، بل ويلزمهم، بالمشاركة في بناء القرية الكونية الجديدة وكتابة تاريخ العولمة مع كل الأمم والشعوب. إن ما يزيد عن المليار من المسلمين يأملون، بل ويصرون، مع أكثر من ثلاثة مليارات أخرى من البشر في الدول النامية على أن تقرب العولمة بين الشعوب لا أن تباعد بينها، ويقفون ضد كل الطروحات التي تحاول أن تضع الأمم والثقافات في قوالب جامدة لتصبح كل أمة وكل ثقافة جزيرة منعزلة بذاتها عن الآخريـــــن، فتراثنا يحثنا منذ القدم على طلب العلم ولو في الصيــــن.

إن رسالة الإسلام في التقارب بين الشعوب تتجلى كذلك في انضمام الدول الإسلامية إلى تكتلات إقليمية مع دول ليست كلها دولاً إسلامية. فليست الآسيان والأوبك ومجموعة الخمسة عشر والشراكة الأوروبية المتوسطة إلا نماذج قليلة تعبر عن قناعة المسلمين بضرورة العمل جنباً إلى جنب مع غيرهم من بني الثقافات الأخرى.

ليس هذا فحسب، بل أن الدول الإسلامية حينما سعت أن يكون لها تنظيمها الإقليمي الخاص بها لم تشأ أن تغلقه على نفسها. فمنظمة المؤتمر الإسلامي التي تشرفت بلدي قطر برئاسة دورتها الحالية تضم 56 دولة لا يمثل المسلمون في عدد منها سوى أقلية محدودة.

ومن موقعي حالياً كرئيس لمنظمة المؤتمر الإسلامي أؤكد لكم حرص الدول الأعضاء فــي المنظمة على بناء الجسور مع الآخريــن. ولقد أشرنا في القمة الاسلامية الأخيرة التي استضافتها قطر أننا مع العولمة من حيث المبدأ ولسنا ضدها طالما كانت عادلة ومتوازنة. وأود هنا أن أشير إلى بعض القضايا التي لها صلة بالإسلام ودوره في بناء الجسور بين الشعوب والأمم من خلال التأكيد على النقاط التالية:

(1) إننا كمسلمين لا نؤمن بصراع الحضارات ولكن بحوار الثقافات وتعارف الشعوب، وننظر للعالم على أنه منتدى يساهم في تكوين حضارات تقوم على قبول الحق وليس على سطوة القوة.
(2) إن الخشية ليست من الصدام الثقافي والديني، وإنما من الفقر والجهل وسياسات التفرد والاستعلاء، وتهميش المبادئ والقيم السامية في التعاملات الاقتصادية والسياسية بين الأفراد والشعوب والدول.
(3) إننا نرى أنه على الأمم والشعوب أن تكون قادرة على المنافسة وتقديم الحلول والبدائل، والشراكة المقنعة في مجالات الاقتصاد والتجارة والثقافة.
(4) إن المسلمين يعتبرون أن الإنسانية جميعها أسرة واحدة منحدرة من أصل واحد ويعتقدون أن التنوع بين الأجناس والثقافات والمواطن الجغرافية سبيل إلى التعاون والتعارف والتكامل الإنساني، ولا معنى للتعارف بين شعوب العالم بدون التعاون والتكامل والحوار الثقافي لمصلحة البشرية جمعاء.
(5) إن عقيدة المسلمين تأمرهم بالاعتراف بالآخر المسالم، وتقديم المساعدة لـــه، وحسن التعامل معه، واعتماد العدل في العلاقات الدوليـــــة، فقد أكد الإسلام قواعد أصيلة للانطلاق بالحوار من مواقع متساوية وأرضية مشتركة، ولا أدل على ذلك من أن الحضارة الإسلامية هي حضارة المشترك الإنساني حيث ساهمت فيها جميع الشعوب والأعراق والثقافات.

إن الوسطية والاعتدال هما منهاج الإسلام، ودولة قطر ما هي إلا نموذج لعشرات الدول الإسلامية التي تضع الوسطية والاعتدال والتعايش المشترك على قمة أولويات سياستها الخارجية. وأكتفي هنا بمثال واحد يؤكد ذلك، إذ كانت قطر ولا تزال تؤمن بضرورة التعايش المشترك بين المنتجين والمستهلكين في مجال الطاقة، وبالإنصاف في تسعير الزيت الخام، لأن ذلك من العدالة، والعدالة هي جوهر الإسلام وقيمته العليا. فلا ضرر ولا ضرار. إن المسلمين، وفي اعتقادي أتباع كل الرسالات السمحاء، يتعين عليهم المشاركة في صياغة النظام الاقتصادي العالمي وترشيد العولمة بإحياء قيم التكافؤ والتكافل وتأكيد المبادئ الإنسانية السامية.

ولعل ما تجابهه العولمة من تحديات يرجع إلى أن اهتمامها الأكبر حتى اليوم كان بتطوير الهياكل والمؤسسات أكثر من الالتفات إلى المعاني والقيم التي لم توليها العولمة اهتماماً كبيراً، وهي أمور يمكن للإسلام والمسلمين أن يسهموا فيها بقسط كبير. ولذا فإني أدعو أن نؤكد سوياً ما للقيم والمفاهيم الثقافية من أهمية في هذا السبيل.

إن منتدى دافوس أصبح علامة فارقة في مسار تطور النظام الاقتصادي الدولي. فمنه تنبع أفكار جديدة خلاقة، وفيه تلتقي كوكبة من الزعماء وأصحاب الرأي وقادة عالم المال والأعمال، ومن خلاله تلتقي الحكومات والشعوب. وحينما نأتي إلى هنا، فإنه يحدونا جميعاً الأمل في أن نخرج بإجابات عن أسئلة كثيرة نطرحها عن المستقبل. وكثيراً ما نكتشف عند الإجابة على تلك الأسئلة أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، وأن علينا دائماً الوصول إلى كلمة سواء فيما بيننا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.