بســم الله الرحمن الرحيم
حضرات الأخوة الأعزّاء، أعضاء مجلس الشورى،
باسم الله، وعلى بركته، أعلن إفتتاح هذا الدور الجديد، الثامن والعشرين، لأعمال مجلسكم الموقّر.
حضرات الأخوة،
إنه لمن دواعي سعادتي أن نلتقي مرة أخرى اليوم على عادتنا في كلّ عام، لافتتاح أعمال هذا المجلس الذي نعتبره ركناً أساساً من أركان الحكم والدولة، ذلك أن الشورى بالنسبة لنا، هي التعبير الفعلي عن إلتزامنا الثابت للمضي قدما في تحقيق المشاركة الشعبية المسؤولة في إتخاذ القرار ومراقبته ثم متابعة تنفيـذه. كما أنّها الإطار السليم، والخطوة المبدئية التي لا بدّ منها، لإستكمال سعينا المتواصل والدؤوب لتطوير أنماط هذه المشاركة، والإرتقاء بها إلى مؤسسات دستورية تضمن فاعليتها، لتحقيق الغاية التي نسعى ونطمح جميعاً إليها وهي إقامة دولة المؤسسات وهذا ما سيحصل بإذن الله تعالى.
وكما سبقت الإشارة إلى ذلك في مناسبة سالفة فإن تصميمنا على تطوير المشاركة الشعبية
في صنع القرار وتحمّل مسؤولياته، هو تصميم ثابت لا تراجع عنه، وفي هذا السياق يندرج دور مجلسكم الموقر، والمتمثل في متابعة أعمال الحكومة، وإبداء الرأي في أدائها، وتقييم منجزاتها، باعتبار ذلك خطوة أولى في المسار الدستوري المنشود.
إن لقاءنا السنوي هذا، مناسبة عزيزة نتطلّع من خلالها لنستعرض وإيّاكم سجلّ أعمالنا، وأوضـــاع بلادنا ومنطقتنا، وعلاقتنا بمحيطنا وبالعالم الذي نعيش فيه، فهو بذلك لقاء نعتقده إطاراً قويماً لمراجعة واستعراض ما حققناه من إنجازات، وتقييم النتائج الإيجابية منها والسلبية، ثم التخطيط على ضوئها لرسم معالم المستقبل حتى يتأتى لنا، بلورة وتحقيق أهدافنا المنشودة.
لقد كان العام الماضي عاما حافلا بالإنجازات، غنياً بالأحداث والتحولات، فعلى المستوى الداخلي تم تحقيق الكثير مما نستطيع أن
نفخر به ونعتز في مجال التنمية المحققة لتقدم مجتمعنا ففي كل هذه المساعي والجهود ظل حرصنا شديداً وثابتاً للحفاظ على التوازن الدقيق بين أولوياتنا الإقتصادية، ومرتكزاتنا السياسية، واختياراتنا الإجتماعية، على أساس خصوصيتنا الثقافية وهويتنا الدينية.
ومما نعتز به في هذا المقام، خوض بلادنا غمار تجربة ديمقراطية، نعمل بكل جهد وتفان لإرساء قواعدها، ونحن على يقين بأن دعم هذه المسيرة وإنجاح مسعاها منوط بمدى مشاركة كافة أبناء الوطن ذلك أن ولوجنا الوشيك للقرن الواحد والعشرين يقتضي منا الإنتماء بفاعلية إلى العصر الذي نعيش فيه، وهذا ما لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ترسيخ دعائم دولة القانون والمؤسسات واحترام الآراء ما دامت تنشد المصلحة العليا للوطن.
وإن ما يعزز ثقتنا في هذا النهج، ما شهدته بلادنا في شهر مارس الماضي من إجـراء أول إنتخابات لاختيار أعضاء المجلس البلدي المركزي عن طريق الإقتراع الحر المباشر، وما رسخت لدينا تلك العملية من عميق الإقتناع بمدى نضج الإنسان القطري وحرصه على تحمل المسؤولية بكل استحقاق وجدارة ولإقتناعنا بأن نجاح العملية الديمقراطية يعتبر أمراً حيوياً وضرورياً لمستقبل بلادنا ومجتمعنا.
وتمشياً مع ما كنا قد أعلناه في خطابنا أمام مجلسكم الموقر العام الماضي، فقد أصدرنا قرارنا القاضي بإنشاء لجنة إعداد الدستور الدائم للبلاد، والمشّكلة من ذوي الإختصاص والكفــاءة، يكون في مقدمة المهام الموكلـة إليها، صياغة دستور جديد من مقتضياته تشكيل مجلس تشريعي منتخب عن طريق الإقتراع الشعبي المباشر، مما سيمثل، إن شاء الله، تتويجاً لسعينا الحثيث نحو تكريس المشاركة الشعبية، كأساس في الحكم وتدعيم ركائز دولة القانون والمؤسسات.
وبموازاة مع ما سلف لم تدخر الحكومـــة جهداً في الإضطلاع بواجباتها الدستورية، المتمثلة في تنفيذ مشاريع التنظيمات والقوانين التي كلفت بها واضعة نصب أعينها تحقيق ما رسمناه من تنمية وتقدم اقتصادي واجتماعي وتطور علمي وتربوي لبلادنا وتحقيق العيش الكريم لأبناء شعبنا.
فعندما تحدثـــت إليكم العام الماضي من على هذا المنبر، كانت الأوضاع الإقتصادية والمالية تمر بظروف مستعصية طالت في آثارها دولاً ومناطق واسعة كان بعضها حتى ذلك الحين مضرب المثل في الإزدهار وارتفاع معدلات النمو. وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك الوضع الإقتصادي والنقدي العالمي على بلد مثل بلادنا ترتبط فيها معايير الدورة الإقتصادية إرتباطا وثيقا بالأسواق الخارجية.
لا شـــك أنّكم تتذكرون كيف أدّت تلك التطوّرات إلى إنخفاض الطلب على النفط والغاز ومشتقاتهما، نتيجــــة تراجع معدّلات الإستهلاك، وكيف ترافق ذلك مع حــــدوث فائض في مخزونات الأسواق العالميــة من هـذه المواد الحيويــــة، نتيجة إرتفاع معدّلات الضخ والإنتــــاج في الدول المصدّرة، مما تسبّب في تراجع الأسعــار بنسبــــة كبيرة وصلت في وقت من الأوقات، إلى ما يزيـد عن أربعين في المائة خلال أقلّ من عام واحد. وقد ترتب على ذلك إنخفاض في العائدات المالية المقدّرة، بالنسبة للدول المنتجة والمصدّرة للنفط والغاز، وقطــر إحداها، مما أثر في اهتزاز حركة الإستثمارات، واستحال إلى حـدّ كبير التوصّل إلى تقديرات دقيقة لحجم المداخيل والعائدات المتوقّعـة، ومع ذلك فقد نجحنا بعون الله تعالـى، في احتواء الآثار التي نجمت عن تلك الأزمة وذلك بفضل ما اتبعناه من مراقبة دقيقة للتحولات الإقتصادية الدولية، مما مكننا من تحديد المصاريف والأعباء الناجمة عن خطط الإنفاق والتنمية ومشاريع التطوير والبناء.
وإستطاعت بلادنا، تجاوز تلك الأوضاع الصعبة بشكل نال إعجاب المؤسسات المالية العالمية. ولقد ركّزت الحكومة جهودها في هذا المجال، على تكثيف وتفعيل إجراءات الحدّ من الإنفـــاق، وترشيد أوجه الصرف الحكومية، وخصخصة العديد من المشروعات العامة، والإقتراض من الأسواق العالمية، كما شكّل ذلك حافزا لنا على مواصلة نهجنا الثابت القائم على مبادئ الإقتصاد الحرّ، لاسيّما في مجال توسيع القاعدة الإنتاجية، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز المبادرة الفردية، وتنشيط حركة الإستثمار وجذب الرساميل الداخلية والخارجية. مما استلزم اصدار العديد من القوانين الراميـــة إلــى تشجيــــع الإستثمارات وحمايتها، وتقويــــــة القطاع الخاص وضمان حقوقه ومصالحه. وفوق ذلك كلّه، تابعنا بعزم تنفيذ مشاريعنا الإقتصادية الضخمة والطموحة، الهادفة إلى تحقيق الإستفادة القصوى من مواردنا الطبيعية الحيوية التي أنعم الله بها علينا، لاسيّما في قطاع النفط والغاز، سواء في مجـال تطوير قدراتنا الإنتاجية والتصديرية وتعزيزها، أو في ما يختص بتوسيع قاعدة الصناعات المصاحبة لهذا القطاع والمتفرّعة عنه، إلى جانب تنشيط القاعدة الصناعية لبلادنا في قطاعات حيوية أخرى، كالحديــــد والأسمنت والأســمدة والصناعات البتروكيماوية والعضوية. وقد تمّ، بعون الله، مؤخراً، إفتتاح مشاريع عدة بدأت الآن مباشرة نشاطها الإنتاجي والتصديري، هذا بالإضافة إلى إستمرار العمل على تنفيذ مشاريع أخرى كبيرة، سيتم إستكمالها والبدء في تشغيلها قريباً.
والآن وقد تغيرت معطيات الوضع الإقتصادي الدولي نحو الأفضل، فقد أصبح من الممكن القول إن قدراً كبيراً من الإستقرار والثقة عاد ليخيّم على الأوضاع الإقتصادية العالمية، وبدوره انعكس ذلك إيجابياً على أسعار النفط والغاز، حيث تمكّنت تلك الأسعار بسبب ذلك، وأيضاً بفضل نجاح الدول المنتجة والمصدّرة في الإتفاق على تخفيض الإنتاج والإلتزام بنظام الحصص المعمول به من إستعادة مستوياتها السابقة، التي سنحرص نحن وشركاؤنا في منظمـة "أوبك " على المحافظة عليها وعلى إستقرارها لما في ذلك من فائدة تعود في نظرنا على المنتجين والمستهلكين على حدّ سواء، من خلال حماية هذه الدورة الإقتصادية العالمية الواحدة التي باتت تربط المجتمع الدولي بشكل شمولي.
أمّا بالنسبة لنا في قطر، فأستطيع القول، وبكلّ إعتزاز، أنّنا وعلى رغم كلّ الصعوبات التي أشرت إليها تمكنا من تحقيق معدّلات نمو إقتصادي لا تزال تعدّ من بين الأعلى من نوعها في المنطقة والعالم، كما أنّنا نعمل حالياً على زيادة الناتج المحلّي الإجمالي والمقدّر بحوالي 35 مليار ريال سنوياً، والسيطرة على معدّل التضخّم المالي بما لا يزيد عن ثلاثة في المائة سنوياً.
لكنّ كلّ ذلك، أيها الإخوة، وعلى أهميته، لا يفي بطموحاتنا، ولا نعتبره كافيا لتلبية آمالنا وتطلّعاتنا، فنحن نؤمن بأنّـه لا يزال يتعيـن علينا عمل الكثير، وبذل المزيد من الجهود، ورصد كلّ ما نستطيع من موارد وطاقات وعمل جاد ودؤوب، حتى نتمكّن من تحقيق ما نصبو إليه من إزدهار ورخاء ومستقبل أفضل لبلادنا ولشعبنا ولأجيالنا الناشئة والمقبلة، فهذا هو واجبنا، وهو عهد علينا أمام الله والوطن .
إنّنا إذ نعمل جاهدين على تحقيق هذه الخطط والإصلاحات الطموحــــة لتعزيز وضعنـا الداخلي، وتنميـــة إقتصادنا، وتطويــــر مجتمعنـــا، فإنّنا نفعل ذلك إنطلاقــاً من إيماننـــا القوي بأهمية المستقبل، شريطة الإستعداد الكامل له وما يقتضيه ذلك من تفعيل لدور بلادنا وموقعها، حتّى نظلّ عضواً نشطاً ومؤثّراً في مجتمعنا العربي والإسلامي، وفي المجتمع الدولي عموماً نتفاعل معه ويتفاعل معنا في إطار مبني على التمسك باستقلالية قرارنا الوطني وعلى الإلتزام بالمصالح المشتركة على أساس مبادئ العدل والمساواة والتعاون والصداقة والإحترام المتبادل.
لهذا فإننا في قطر نتمسّك بنهج واضح وثابت على صعيد سياستنا الخارجية، ففي ظلّ إحترام إستقلالنا السياسي، وسيادتنا الوطنية، ومصالحنا الحيوية، نسعى دائما إلى توثيق علاقاتنا بالدول كافة، خاصة تلك التـي تلتقي معنا على هذه المبادئ وتشاركنا هذه الأسس التي تمثّل أولويات سياستنا الخارجية ومرتكزات علاقاتنا مع الأشقاء والجيران والأصدقاء.
من هنا، فإنّنا نؤكّد إيماننا الراسخ بواقع إنتمائنا الخليجي والعربي والإسلامي، ونعتبر أنّ تعزيزالإنتماء العضوي إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتعميق أواصر الأخوّة والتكامل مع أشقائنا في هذه الدول والحرص على تحقيق أهداف مسيرته، في مقدّمة هذه الأولويات والثوابت.
لقد كنــا وما زلنا من المهتمّين دوما بتفعيل دور المجلس، وتنشيط عمل مؤسساته وهيئاته في مختلف المجالات. ولهذا، فإننا نتطلّع إلى إجتماع القمّة المقبل لدول مجلس التعاون في المملكة العربية السعودية الشقيقــة. ونتمنى بكل صدق أن تكون أعمالها ناجحة ومتميّزة، وأن نخرج منها بنتائج ومقرّرات ملموسة تكفل تحقيق المزيد من التعاون والتكامل، بما ينعكس إيجابياً على دولنا وشعوبنا وعلـى العلاقات والروابـط التاريخية الثابتــــة التي تجمعنـــا. كما أنّنا على ثقة بأنّ رعايـــة خــادم الحرمــين الشريفيــــن وولي عهده، وحكمتهما ودرايتهما، ستساهم بلا شكّ في إنجاح هذه القمة بما يعزّز مصالحنا وأهدافنا المشتركة، ويلبّي طموحات وآمال المواطن الخليجي وتطلّعاته المستقبليـة نحو التكامل والتنمية.
ومن واقع حرصنا الشديد على تثبيت الأمن والإستقرار في منطقتنا الخليجية، وحفاظا على علاقات الصداقة والتعاون التاريخية التـي تربط بين شعوبها، فإننــا نكـــرّر دعوتنـــا الدائمـة لحلّ جميع الخلافات بين هذه الدول، مهما كانت طبيعتها، عن طريق الحوار، ومن خلال التّمسك بمنطق العقل والوسائل السياسيــة والسلميـــة، بما فــــي ذلك اللجوء إلى التحكيم أو القضــاء الدولـــــي إذا مـــا استدعـــت الحاجــــة لذلك، وهذا من شأنه أن يكرّس الثقة والإحترام المتبادل وحسن الجوار في هذه المنطقـة الحيوية من العالم. ولذلك فنحن نعرب عن دعمنا للجهود التي تبذلها اللجنة الثلاثية المكلّفة بتهيئة الأجـواء للدخـول فـي مفاوضات مباشرة بين الأخوة في دولة الإمارات المتحدة وجمهورية إيران الإسلامية حول الخلاف على الجزر الثلاث، مما سيحفظ الأمن والإستقرار في منطقتنا، ويعــزز علاقات الثقة والتعاون بين دولها وشعوبها.
ولأنّنا مقتنعون بأنّ هدف إحلال السلام، وتثبيت الأمن والإستقرار، وتحقيق الرخاء والإزدهار، لا يمكن أن يتحقّق إلاّ من خلال ترسيخ مبادئ العدل وقواعد القانون والشرعية الدولية، فإنّنا ننظر دائماً بعين القلق إلى الأزمات السياسية والنزاعات العسكرية والمآسي الإنسانية الناجمة عنها، ونكرّر دعوتنا إلى ضرورة إيجاد التسويات السلمية العادلة المطلوبة لها، حتى نتفادى إحتمالات التصعيد المترتّبة عليها.
وبالطبع، فإنّ المثال الأبرز على ذلك في منطقتنا الخليجية هي الأزمة العراقية المستمرة، وما تشكّله من مصدر توتّر وتأزّم، مع إستمرار المعاناة القاسيـة والظروف اللاإنسانية التي يعيشها الشعب العراقي الشقيـــق، بسبب العقوبات المفروضة عليه، تثير في نفوسنا الشعور بالأسى والقلق الشديد حيال هذا الوضع غير الطبيعي، وتدفعنا إلى بذل كل جهد ممكن لوضع حدّ لهذه الأزمة التي نرى أنّ الوقت قد حان للخروج منها وإيجاد الحلول اللازمة لهـا. ومع تأكيدنا الكامل بضرورة تنفيذ كافة القرارات الدولية وإحترام شرعيتها، فإنّنا نؤيّد اللجوء إلى الحلول السياسية لهذه الأزمة، وفقاً لتلك القرارت، بما يضمن المحافظة على وحدة العراق وكيانه أرضاً وشعباً، ويوفر عليه وعلى المنطقة بأسرها المزيد من الآلام والمخاطر.
ومن المنطلق نفسه، ننظر في قطر إلى القضية الجوهرية التي لا تزال تشكّل، في رأينـا، المصدر الرئيس للتوتّر والتأزّم في منطقتنا العربية منذ ما يزيد عن نصف قرن، ألا وهي القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي. وإذ نؤكّد على الدوام بأنّ السلام في الشرق الأوسط هو خيار إستراتيجي ثابت لا غنى عنه، بالنسبة لنا ولأشقائنا العرب، فإنّنا نشدّد في المقابل على أن للسلام أيضا مقتضياته ومستلزماته التي لا غنى عنها بدورها. فعمليـــة السلام لـم تتمكن حتــى الآن، وللأسـف، من التوصّل إلى تحقيق النتائج المرجوّة، بل إنّها تعرّضت خلال السنوات الماضية لنكسات شديـــدة تتحمل مسؤوليتها، في نظرنا، الحكومة الإسرائيلية السابقة. ولذلك فإننا نعرب عن ترحيبنا بتوجّهات الحكومة الإسرائيلية الجديدة، والمتمثلة في عزمها على متابعة السعي نحو السلام بقدر أكبـر من الجدية، بيد أننا نعتبر أنّ مثل هذه البوادر، وحتى تكون مجدية وذات معنى، لا بدّ أن تقترن بخطوات عملية ملموسة تثبت حسن نوايا الجانب الإسرائيلي وإستعـداده الصادق للوفـــاء بالتزاماتـه وتعهّداته، وتنفيذ الإتفاقات التي تم التوصّل إليها، خلال مراحل المفاوضات السابقة . فالسلام لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان مرتكزا على مبادئ الشرعية الدولية وقراراتها الواضحة والصريحة والملزمة. ولا يمكن أن يكون هذا السلام حقيقياً ودائماً وعادلاً، دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه الوطنية والسياسية المشروعة، بما في ذلك إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وعاصمتها القدس الشريف، ومن دون تحقيق الإنسحاب الإسرائيلـي الكامل من مرتفعات الجولان السورية، ومن جنوب لبنان وبقاعه الغربي، وفقا لقرارات الشرعية الدولية وعلى أساس مرجعية مؤتمر مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام.
إن أمتنا العربية تمرّ اليوم، وللأسف الشديد، بمرحلة صعبة تواجه فيها تحدّيات مصيرية. وعوضا عمّا نشهده من تفرّق وتفكّك وتشتت في الموارد والطاقات، فإنّ الأحرى بنا، أن نركّز جهودنا من أجل تحقيق التكاتف والتضامن لمواجهة هذه المرحلة ومصاعبها، وللتوصّل إلى صياغة الأسس والثوابت التي لا بدّ منها لرسم إستراتيجية عربية شاملة وموحّدة، تقوم على ركيزة المصالح والأهداف المشتركة التي تفرضها وتتطلّبها، مهمة التصدّي لتلك التحدّيات.
إن هذا المسعى النبيل لا يمكن أن يتحقّق إلاّ من خلال جهد دؤوب وصادق، نساهـم به جميعا، وعلى أساس من المصارحة والمكاشفـة المطلوبة والضرورية. وعليه، فإننا نكرّر الدعوة إلى عقد قمة عربية شاملة يكون هدفها إعادة التضامن للصف العربي، ومعالجة الأزمات والصعوبات التي تواجهنا، والعمل على وضع الأسس المطلوبة لسياسة إستراتيجية عربية شاملة ومتناسقة، نستطيع بواسطتها الدفاع عن مصالح هذه الأمة، وإعدادها لدخول القرن الجديد بثقة وفاعلية، لتلبية متطلّبات المستقبل الذي نصبو إليه. وهــذه المتطلّبات التي باتت الحاجة العربية ملحّة إليها، يأتي على رأسهــا، وفي نظرنا، تحقيـق التطوّر والتقدّم لمجتمعاتنا، ودراسة أوضاعنا الإقتصادية وسبل تنميتهـــا، وتطوير خطط التربيـــة والتعليم لأجيالنا الناشئة، وتعزيز دور المؤسسات الدستورية التي تتمّ من خلالها المشاركة الشعبية البنّاءة والمسؤولة، بحيث تصبح هذه المشاركة أساس بناء القرار وصناعته والإشراف على حسن تنفيذه، بما يمكّننا من الوصول إلى ما نصبوا إليه من تطور إقتصادي وإجتماعي لدولنــا، ورخــاء وإزدهار لشعوبنا.
وعلى الصعيد الإسلامي، فإنّنا نؤكّد على مساندتنا لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وندعو دومـاً إلى تفعيلها، والعمل من خلالها، للمساهمة في تنشيط مسيرة التعاون بين الدول الإسلامية، وتحقيـق المنفعة المشتركة لشعوبها. ونحن نتطلّع، بكل ثقة وأمل، في أن تتوصّل القمة الإسلامية التاسعة، التي سيكون لنا في قطر شرف إستضافتها عام 2000م بمشيئة الله تعالى، إلى الخروج بقرارات إيجابية وفعالة تساهم في دفع مسيرة العمل الإسلامي المشترك إلى الأمام، والنهوض بمقدرات الأمة حتى تضطلع بدورها كاملاً على الساحة الدولية.
كما نؤكّد من جديد على إلتزامنا بالمبادئ والأهداف السامية التي حدّدها ميثاق الأمم المتحدة، وعلى الأهمية التي نعلّقها على ضرورة تعزيز دور هذه المنظمة الدولية الجامعة، وتنشيط فاعلية هيئاتها ومؤسساتها، لتمكينها من القيام بمهمتها الحيوية في حفظ السلام وحماية الأمن والإستقرار في العالم، ذلك أن هذه المنظمة العتيدة هي الإطار المؤهل والمناسب الذي يمكن عالمنا من مواجهة التحديات وتفعيل التعاون والتفاعل الثقافي والتربوي بين أممه وشعوبه وتحقيق التنمية الإقتصادية والإجتماعية والدفاع عن حقوق الإنسان.
أيها الأخــــوة،
إننا ونحن نفتتح آخر دورة من أعمال مجلسكم الموقر لهذا القرن، علينا أن نكون مسلّحين بكل ما أوتينا من إيمان وعزيمة وتصميم، فنحن مقبلون على عالم لم يعد في مقدورنا، ولا من الجائز أو المقبول، أن نتراجع أمامه أو أن ننعزل عنه، وحتّى لو أردنا، فإنّ ذلك لن يكون ممكنا في زمن العولمة، وعصر المعلومات والإتصالات والتداخل والتفاعل بين الأمم والشعوب والحضارات. إن عالماً كهذا لا يتحمّل بل ولا يقبل منّـا إلاّ أن نكـون مؤهّلين ومزودين بالعلم والمعرفة، مسلحين بالثقة بالنفس، وبالإعتزاز بحضارتنـــا وتراثنا، وبالتمسّك بقيمنا السامية ومثلنا العليا، وخصوصياتنا، وقبل كلّ شيء، بإيماننا بالله عز وجل، وبهدي كتابه الكريم، وسنة نبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
فلنعقد العزم معاً، ولنتطلّع إلى الأمام، ولننظر إلى المستقبل بثقة وجرأة، حتّى نكون من الفاعلين والناشطين والمؤثّرين، ولنوفّر لأجيالنا القادمة أفضل الفرص لمواجهة هذا المستقبل والتغلّب على تحدّياته. ولنبذل كلّ الجهود ولنسخر كلّ الموارد والطاقات من أجل بناء هذا الوطن العزيز، وتطويره، وتأمين مستلزمات إزدهاره ورخائه.
وهذه الآمال والطموحات ليست شعارات ترفع بل هي من أقدس الواجبات الملقاة على عاتقنا كما أنها ليست بالكثير لما نكنه لشعبنا الذي نؤمن بحقه الكامل في الحاضر السعيد والتطلع إلى المستقبل الزاهر المشرق.
والله نسأل أن يسدد خطانا لتحقيق خير بلادنا ورفاهية شعبنا.
شكراً لكـــــــم